تتملك مشاعر الرعب سكان بغداد، من احتمال تحويل نهر دجلة إلى خط تقسيم بين السنة والشيعة عبر تدمير جميع الجسور المقامة فوقه، وذلك عقب وقوع هجمات علي جسرين. ويعتبرون تفجير أحد أقدم رموز بغداد «جسر الصرافية» لم يكن مجرد هجوم على البنية التحتية للمدينة، بل هو جزء من مؤامرة خبيثة لتقسيم بغداد إلى شطرين ضفة شرقية شيعية وضفة غربية سنية.
يضاف إلى ذلك الكم الكبير من المتاريس والحواجز الأميركية التي تقسم أحياء العاصمة إلى مناطق معزولة تحت ذرائع أمنية. ففي حي الكرخ تعيش غالبية مسلمة سنية على الضفة الغربية للنهر الذي يضم المنطقة الخضراء الخاضعة لحراسة مشددة والتي تأوي المنشآت العسكرية والدبلوماسية الأميركية ومباني الحكومة العراقية وقصور صدام حسين. وعلى الضفة الشرقية للنهر في الرصافة تعيش أغلبية شيعية.
ويقول الجيش العراقي انه تم إحباط عدد من الهجمات الإرهابية على الجسور في بغداد قبل الهجومين على جسري الصرافية والجاديرية في الجنوب. وتم منع مرور الشاحنات عبر جسر سيناك بصورة مؤقتة عقب ورود تحذير. وبالنسبة لمعظم العراقيين ولاسيما طوائف الأقليات التي لا تستطيع أن تعتمد على جماعات مسلحة في حمايتها فان التقسيم النهائي لبغداد سيكون بمثابة مأساة حقيقية.
ويبحث الأكراد والتركمان والمسيحيون بالفعل عن مناطق يمكن أن توفر لهم قدرا من الأمان. وينطبق الشيء نفسه على اسر شيعية - سنية. وتفيد تقارير صحافية أن نسبة الطلاق في حالات الزواج المختلطة ارتفعت بشكل كبير في الشهور الأخيرة حيث باتت هذه الأسر تشعر بأنها مكشوفة بلا حماية وانه لم يعد ثمة طريق آخر للنجاة. وعلى الجانب الآخر، وصف رئيس البرلمان محمود المشهداني وهو سياسي سني تدمير جسر الصرافية بأنه «مؤامرة لعزل شطري بغداد عن بعضهما البعض».
وكانت بغداد التي يقطنها سبعة ملايين نسمة مزيجا من الطوائف الدينية منذ أن أسسها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور قبل حوالي 1200 سنة على ضفتي نهر دجلة. وكانت جسورها البالغ عددها 12 جسرا تربط الجانب الشرقي بالجانب الغربي رمزا للتنوع في بغداد حيث يعيش الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيون معا.
ويتحدث البعض بنبرة تشاؤمية عن «حرب الجسور». وبالرغم من أن جسر الصرافية بناه البريطانيون في أربعينات القرن الماضي فقد اثار تدميره نحيبا في الصحف المحلية كما لو كان تكرارا لقصف جسر موستار الأسطوري الذي أصبح رمزا عالميا للحرب الأهلية في البوسنة من 1992 الى 1995.
وأحرق حكام العصور الوسطى جسور بغداد التي كانت في ذلك الوقت ألواحا من الخشب طافية فوق عوامات ومربوطة ببعضها البعض بالحبال لمنع المغول الغازين من نهب المدينة. ودمر الجيش الاميركي في حروبه ضد صدام حسين جسورا في بغداد لإعاقة حركة القوات.
وحذر روبرت مالي رئيس قسم الشرق الأوسط بمجموعة الأزمات الدولية في تقرير له قائلا ليس هناك خط يمكن رسمه للفصل بوضوح بين طائفة وأخرى على الأقل دون اندلاع أعمال عنف كبرى بين الجماعات وداخل الجماعات وفي أحيان كثيرة داخل الأسرة الواحدة . على جانب آخر يروج الجيش الأميركي لفكرة أخرى لوقف العنف بين الجماعات الدينية في بغداد. لكن هذه الفكرة تقوم أيضا على مبدأ تقسيم العاصمة إلى وحدات اصغر يمكن السيطرة عليها بسهولة.
وفي فبراير الماضي عندما تم تطبيق الخطة الأمنية الجديدة للمرة الأولى أقيمت المتاريس وحواجز الطرق. وكان الهدف هو عزل تلك المناطق التي يعتقد أن غالبية المسلحين والإرهابيين يأتون إليها من كل أنحاء العالم، وقتل أقارب الجماعات المسلحة أو أخذهم اسري.وفي نفس الوقت فان كل شخص مسجل في الحي معرض لعمليات تفتيش صارمة.