جمعت بين الدين والسياسة والآثار والتاريخ، زارها النبيان عيسى وزكريا عليهما السلام، وتحتضن على أرضها أهم المعالم الأثرية، وفي قلبها عقد أهم مؤتمر ضم زعامات فلسطينية عام 1949. إنها. أريحا مدينة الينابيع التي تحتفل الشهر المقبل بمرور عشرة آلاف عام على تشييدها كأقدم مدينة عرفها التاريخ.

ويحاول الفلسطينيون تسويق أريحا كمعلم سياحي وتاريخي وجغرافي عالميا، رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة التي تحول دون ذلك، وتظل المحاولات متواضعة والسبب بالطبع هو حصار الاحتلال الإسرائيلي. تقع مدينة أريحا في الطرف الغربي لغور الأردن،

وتمثل نقطة عبور مهمة منذ القدم للقوافل التجارية والغزوات الحربية التي كانت تتجه غرباً نحو القدس وشرقاً نحو سلطنه عمان، وهي أيضا الممر الغربي لنهر الأردن والبحر الميت، يمر منها الحجاج المسيحيون القادمون من القدس في طريقهم إلى نهر الأردن والبحر الميت، وتنخفض عن سطح البحر نحو 276 مترا.

ولقد ذكرها البغدادي في معجم البلدان فقال: أريحا مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن والشام، سميت بأريحا نسبة إلى أريحا بن مالك بن أرنخشد بن سام بن نوح عليه السلام، وهذا يدل على أن أصل التسمية سامي الأصل. وأريحا عند الكنعانيين تعني القمر، وقد عرفها العرب بأريحاء، وأريحا،

وأطلق عليها أيضا مدينة وادي الصيصان، وسميت بهذا الاسم لأنه يكثر فيها هذا النوع من الشجر الذي يلتف كسياج حول بساتينها ولا يزال فيها إلى اليوم. وسميت كذلك بتل السلطان أو عين اليشع، لأن أريحا القديمة لم تكن سوى تل صناعي صغير يدعى تل السلطان وهو أصل المدينة الأولى.

ومن المشهور لدى علماء الاثار أن مدينة أريحا يرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم أي نحو 7000 سنة قبل الميلاد، وقد حدد الخبراء موقع أطلالها عند تل السلطان الذي يقع على بعد 2 كيلو متر شمالي المدينة الحالية بالقرب من نبع عين السلطان. هاجمها الهكسوس فيما بين 1750 -0061 قبل الميلاد، واتخذوها قاعدة لهم،

وكانت أول مدينة كنعانية تهاجم من قبل بني إسرائيل على يد يوشع بن نون سنة 1188 قبل الميلاد، وحرقوا المدينة وأهلكوا من فيها، ثم قام المؤابيون بإخراج اليهود سنة 1170 - 0301 قبل الميلاد بقيادة الملك عجلون. وفي عهد المسيح عليه السلام ازدادت شهرة المدينة، حيث زارها المسيح كما زارها النبي زكريا.

كما عموَّالرومان المدينة وشهدت في عهدهم ازدهارا، فابان قسطنطين الكبير 306 - 723 م انتشرت المسيحية في أريحا وأقيمت في ضواحيها الأديرة والكنائس وأصبحت مركزاً لأسقفية، وكذلك ازدهرت في عهد البيزنطيين وتقدمت حتى دخلت تحت حكم العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي وأصبحت تابعة للرملة مركز جند فلسطين.

وقد أصبحت في صدر الإسلام أهم مدينة زراعية في الغور، حيث انتشرت فيها زراعة النخيل وقصب السكر والموز وغيرها...ثم خضعت لحكم الصليبيين بعدما غزوا فلسطين، وأصبحت مركزاً للجيش الصليبي بقيادة ريموند الذي غادرها بجيشه، بعدما سمع بقدوم الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي،

حيث جعلوها جسراً لهم في فلسطين للاتصال بقواتهم وولاتهم في الشام. ثم خضعت للحكم المملوكي، و أصبحت جزءاً من مملكة دمشق، وفي أثناء الحكم العثماني أصبحت أريحا ناحية بعدما كانت قرية، ويقيم فيها حاكم يدعى المدير، ثم أصبحت قضاء في عهد الانتداب البريطاني.

وكانت مركزاً للقضاء حتى عام 1944 إلى أن ألغته سلطات الانتداب البريطاني وألحقته بقضاء القدس، وفي عام 1965 عادت مركزاً للقضاء واستمرت كذلك إلى أن احتلها الصهاينة عام 1967.

غزة ـ ماهر إبراهيم: