قبل الحرب الأهلية كان شارع الحمرا في بيروت أكثر شوارع العاصمة اللبنانية شهرة وحيوية، كان واحة للكتاب والصحافيين والمثقفين اللبنانيين والعرب، لكن حرب السنوات العشرين أجهزت عليه فذبلت الذكريات وتفرق الشمل وأخذ الوسط التجاري للعاصمة الذي ازدهر بعد انتهاء الحرب ما بقي من ألق الشارع المحتضر.
ولم تنجح كل محاولات الإنعاش لبث الروح مجددا في أوصال شارع الحمرا، ما دفع أصحاب المقاهي العريقة التي كانت مقرا لكبار الشعراء أمثال نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش وغيرهم، إلى الإقفال وتحويل ذلك الموروث الثقافي والاجتماعي إلى تجارة ذات طبيعة استهلاكية صرفة.لكن منذ أسابيع عادت الحياة تدب في شيخ شوارع بيروت العتيقة، الذي شهد إعادة افتتاح أكثر من مقهى قديم أقفل خلال الحرب، انتعشت المقاهي فجأة وغصت برواد كثيرين جاؤوا إلى شارع «الماضي والحنين الذي ظل ينبض في ذاكرتهم»، كما يقول بسام قدورة أحد زبائن مقهى «الاكسبرس»، الذي أقفل بعد اندلاع الحرب بسنوات ولم يفتح أبوابه إلا قبيل أشهر قليلة.
حيث استعاد بسرعة قياسية من بقي من زبائنه القدامى والكثيرين الجدد من جيل الشباب بحسب ما أوضح مديره مارون شقير، الذي اعتبر أن الفرق شاسع بين جيلي ما قبل الحرب وبعده: فأهل الماضي هم جيل الجريدة والكتاب يرتادون المقهى لاستعادة صفاء وعز تلك المرحلة ويستسلمون إلى قراءة الصحف.
فيما ينجذب أبناء الجيل الجديد إلى الصخب فهم جيل الكمبيوتر والإنترنت الذي استبدلوه بالجريدة وصار ملازما لهم في كل جلساتهم، وبات لزاما علينا فرد مساحات إضافية لحوائجهم التكنولوجية، مشيرا إلى سعي إدارة المقهى لاستعادة كل العناصر الجاذبة لجيل «الإكسبرس» القديم وإضفاء الحديث من تقنيات جمالية تتعلق باللون والأثاث والديكور لاستقطاب جيل الشباب.
لا يعرف المدير الشاب الكثير عن «الإكسبرس» القديمة لكنه يفاجأ كل يوم بأحد ما يقف قبالة المقهى والدهشة تغمره يجول بنظره في كل الأنحاء، محددا أماكن اعتاد الجلوس فيها قبل ثلاثين عاما.. «هنا كانت طاولتي»، يقول أحدهم، لقد فوجئ المدير قبل أيام بامرأة ترجلت من سيارتها ودخلت المقهى تفحصت السقوف والجدران وتوقفت أمام اللوحات الحديثة، استدارت نحو المدير وسألت من هم رواد المقهى اليوم.. هل ما زلتم تقدمون «الشاريو ديسير» كما كنتم تفعلون قبل الحرب؟ هل ما زال الشاعر فلان والصحافي فلان و.. يشربون القهوة عندكم.
كثيرون هاجروا أثناء الحرب كما هو حال تلك السيدة العائدة لتوها من المغترب، لكن الشارع العريق بكل تفاصيله ظل حيا في أذهانهم، «لا كوستا» هو مقهى جديد ومودرن حل مكان الـ «هورس شو» الذي كان ملتقى المثقفين وتحديدا الشاعران نزار قباني وأدونيس.
كما يشير فريد مدني أحد الصحافيين الذين عادوا من يرتادون المقهى بعد تجديده، يقول: مرّ شارع الحمرا بثلاث فترات زمنية قبل الحرب وخلالها وبعدها، ولم يتعاف منذ انطلاق أول رصاصة من رصاصات الحرب الأهلية، لكننا بقينا نختزن عنه قصصا وحكايات، لم يمنح أحد الشارع فرصة النهوض فرواده توزعوا بين الهجرة والرحيل أو الانتقال إلى أماكن جديدة أكثر حياة.
وغلب في السنوات الماضية الطابع التجاري على الشارع الذي انتفت عنه صفة السياحي والثقافي، بعدما أقفلت المسارح ودور السينما فيه نهائيا وتحول أحد أهم مقاهيه إلى مركز لبيع الألبسة وأقفل آخر بعد أن هلك وتداعى، إلا أن أزمة الوسط التجاري الحديثة الناجمة عن اعتصام المعارضة المفتوح وتزامنه مع انطلاق استثمارات جديدة في هذا المجال في شارع الحمرا، وافتتاح أكثر من مقهى خلال الأشهر الأخيرة ساهم في عودة الزبائن مجتمعين لتعود معهم بهجة ما قبل الحرب إلى الحمرا، على أمل أن تبقى الأمور على حالها بعد زوال الأزمة السياسية وانطلاق العمل مجددا في مقاهي وسط بيروت المتوقفة منذ ثلاثة أشهر.
مقهى واحد في شارع الحمرا لم يغادر عصره القديم، وظل صامدا بين طفرة المقاهي التي أحيت نهارات شارع الحمرا، هو «كافي دو باري» الذي يصر رواده على إبقائه حيا من باب الإبقاء على ذاكرتهم المسكونة بيوميات المقهى منذ أكثر من ثلاثين عاما، ينتظر هذا المقهى انطلاقة جديدة كما تقول المسؤولة عن المبيعات، لكننا لا نعرف متى وإذا ما سيبقى كاف دو باري على حاله أم ستجرفه التحولات كما فعلت بغيره من مقاهي الحمرا العريقة، وتضيف لقد صارت مقاهي الحمرا القديمة ذكرى تفصل بين زمنين ينتميان إلى عالم آخر غادر مع من غادروا الوطن.
بيروت ـ ثناء عطوي