قال وزير خارجية ماليزيا داتو سيري سيد حامد إن إسرائيل لا تحترم آراء الآخرين، تحت غطاء من الولايات المتحدة التي وصفها بالأخ الأكبر الذي يحميها، مطالبا مجلس الأمن الدولي بتفعيل قراراته المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، مؤكداً على ضرورة عدم السماح للسلطات الإسرائيلية بالقيام بأعمال الترميم في الأقصى المبارك.
وطالب حامد، عبر حوار مع «البيان» الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي بالتعامل بعقل منفتح مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وعدم رفضها كما فعلا مع حكومة «حماس».
وأقر حامد بوجود عقبات في طريق إصلاح هيكلية منظمة المؤتمر الإسلامي، التي وصفها بمنظمة مؤتمرات فقط، لكنه طالب بالصبر إزاء هذا الأمر، مشيرا إلى أن بلاده طالبت في تقرير رفعته لأمانة المنظمة في قمة مكة بتوسيع عمل المنظمة ليشمل الجوانب الاقتصادية وفق الشريعة الإسلامية.
فيما يلي حواره مع «البيان»:
* لقد شهدت العلاقات الخليجية الآسيوية تطوراً كبيراً في السنوات القليلة الماضية.. كيف تقيمون في ماليزيا مستوى هذه العلاقات؟
ـ نحن سعداء لأن الدول الخليجية التفتت إلى آسيا وهناك العديد من التعاون بين الجانبين خاصة في مجالات الاستثمارات. والعلاقات الاقتصادية بين ماليزيا ودول الخليج تزداد وتنمو، وهناك اهتمام من السياح العرب بزيارة ماليزيا.
* سعت ماليزيا إلى إصلاح منظمة المؤتمر الإسلامي ولكنها واجهت بعض الصعوبات، فما هي؟
ـ جرى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي بسبب حريق المسجد الأقصى، لكننا نريد الآن أن تكون المنظمة آلية لخدمة الأمة الإسلامية جمعاء، ونرى أن مسألة الأقصى واحدة ضمن الصراع الذي يواجهه العالم الإسلامي.
وعلى اعتبار أن المنظمة على اتصال مباشر بالعالم الإسلامي، قامت ماليزيا برفع تقرير تم إعداده وتمت متابعته من قبل قمة مكة، يطالب بقرارات عملية ملموسة بحيث تكون منظمة المؤتمر الإسلامي أداة عملية وليست مجرد مؤتمر دوري. وفي الحقيقة إن منظمة المؤتمر الإسلامي هي منظمة مؤتمر فقط. ويجب أن ننظر إليها على أنها منظمة فاعلة في الجوانب الاقتصادية وليس السياسية فقط.
وأعتقد أن هناك العديد من القضايا التي تحتاج لتركيز المنظمة، وعلى الرغم من أن إعلان قمة مكة جاء بالكثير من القرارات التي تتطلب ترجمتها إلى أرض الواقع، إلا أننا مطالبون بتجاوز خلافاتنا السياسية والنظر إلى ما يجمعنا. وأهم الإنجازات التي وصلنا إليها من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي هي إنشاء بنك التنمية الإسلامي، وهو يحتاج إلى المزيد من الجهد، والتركيز على مجالات أخرى، والتي من بينها مؤسسة التمويل الإسلامية، حيث نحاول من خلالها تأسيس منظومة قانونية تجارية وفق الشريعة الإسلامية، ولا نريد أن نكون مختلفين عن بقية العالم.
* كيف تنظر إلى الحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة في ظل التطورات والتداعيات السياسية التي تواجهها العديد من الدول العربية والإسلامية؟
ـ أؤمن بالحوار والتفاعل، إذ لا يمكن الوصول إلى الفهم المتبادل من دون حوار مباشر، لهذا كان النقاش جيداً في منتدى الحوار الأميركي ـ الإسلامي في الدوحة في فبراير الماضي، بيد أن الأجندة والقضايا التي نطمح إلى مناقشتها يجب أن تكون جيدة بالقدر نفسه، وألا يكون الأمر حواراً من أجل الحوار. وعندما تبدأ حواراً يجب أن تقر بوجود المشكلة، وإذا واجهنا حالة من الإنكار بعدم وجود مشكلة وأن المشاكل كلها تتعلق بجانب واحد من دون الآخر، فلن نصل إلى شيء.
وما نفعله الآن هو التعامل مع الظواهر وتحاشي جذور المشكلة، واكتشفت بأننا في حوارنا نكون عادة منغلقين، ولا تكمن المشكلة في العالم الإسلامي المطالب دائماً بإيجاد الحلول لها، فمن الخطأ الاعتقاد بأن الإسلام ضد العولمة والحداثة، لأنه في حال الحديث عن العولمة يجب أن نعرف أن مفهوم الأمة في الإسلام يعني العولمة بالضرورة،.
ولا توجد مفاهيم وطنية في الإسلام بل مفاهيم أممية، وهناك العديد في الغرب لديهم فهم خاطئ عن الإسلام، لكن الحقيقة هي العكس ما قاله فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي يؤكد ذلك، ففي الإسلام كل الناس أبناء آدم وهذا يعني أننا نتصل بجذر بشري واحد، ولا يوجد فرق بين شخص وآخر إلا في التقوى.
والخلاصة أن المشكلة القائمة في فهم الآخر. والمشكلة الأخرى أن الجيل القادم (الشباب) غير منخرط في هذا النقاش، وهم في الحقيقة جزء من هذه المشكلة، وجيل الشباب مطلع الآن على الإنترنت والإعلام الحديث الذي ينقل من خلال المواقع الإلكترونية، وهي ثقافة جديدة، وإذا لم نتعرض لحاجات الشباب، أعتقد أن المشكلة سوف تستمر ولن نقوم بما يكفي لهذا الحوار.
* هل تعتقد بوجود توتر في العلاقات الأميركية ـ الماليزية في الآونة الأخيرة؟
ـ لا توجد مشاكل لدينا مع الولايات المتحدة.
* ولكن رئيس الوزراء الماليزي عبدالله بدوي أشار إلى ذلك..
ـ لا أعتقد أن هناك مشكلة بيننا وبين الولايات المتحدة، ولكن يجب أن ننظر إلى الممارسة الفعلية، فحتى لو كانت الولايات المتحدة شريكاً تجارياً رئيساً لنا، نظل أمة مستقلة وذات سيادة، وسياستنا الخارجية قائمة على احترام سيادتنا والعدالة، ولكننا في الوقت نفسه براغماتيون، لهذا أعتقد أنه عندما يتحدث أحدهم عن الديمقراطية يجب أن يعرف ما هي الديمقراطية فنحن لدينا ديمقراطيتنا، لهذا أرى أنه من المهم أن نقدر الفروقات بيننا بدلاً من أن نحاول جعل الجميع متساويين، فعندما أسمع عن وجود برنامج يهدف إلى إقامة الديمقراطية في العالم العربي، أعتقد أنه لا يوجد مبرر لفرض الديمقراطية على أي كان،.
وأعتقد أن لكل ديمقراطيته الخاصة به، وعلى الدولة أن تختار المضي في الديمقراطية آخذة في عين الاعتبار ظروفها الخاصة وخصائصها.. لهذا فإن أي تغيير يتم في أي مكان بشكل جذري سوف يتسبب في مشاكل كثيرة، مثل ما حدث في العراق وأفغانستان.. في الوقت الذي لا تقبل فيه الولايات المتحدة الأميركية الديمقراطية الحاصلة في فلسطين.. وهو ما يؤكد وجود معايير مزدوجة.. فمثلا يتحدثون عن ضرورة تخليص العالم من الأسلحة النووية.. وهي الدعوة التي ما فتئت ماليزيا تدعو لها..
ولكن لماذا نرفض امتلاك دولة للأسلحة النووية ونستثني دولا أخرى.. خاصة في منطقة الشرق الأوسط.. لا نطالب الولايات المتحدة أن تكون موالية للدول الإسلامية على حساب الدول الأخرى.. بل أن تعامل المنطقة بشكل متوازن وعادل.. وأعتقد أنه من المهم ألا يتم تحديد المشكلة الإسلامية باعتبارها مشكلة عربية بل يجب أن تكون مسألة كونية.. لأن المسلمين في كل مكان خاصة وأن سبعين في المئة من المسلمين موجودون في آسيا.. وأي شيء قد يطرأ في منطقة الشرق الأوسط، فإن السبعين في المئة من المسلمين سوف يشعرون بالأمر نفسه..
* إذن كيف تنظر ماليزيا إلى تداعيات الملف النووي الإيراني، والأزمة الدولية الآخذة في التفاقم في هذا الصدد؟
ـ يجب أن نعود إلى معاهدة حظر الأسلحة النووية، لأن هذه المعاهدة تدعو إلى عدم انتشار امتلاك الأسلحة النووية بين دول العالم.. ولكن المعاهدة أتاحت إمكانية استخدام التقنية السلمية النووية.. خاصة في ظل حقيقة ارتفاع أسعار النفط، وإمكانية نضوب طاقة النفط والغاز في المستقبل.. لهذا علينا أن نبحث عن بدائل الطاقة التي تعتبر مهمة للبشرية جمعاء، ولكن حقيقة أن امتلاك التقنية النووية تمهد الطريق إلى امتلاك السلاح النووي هي أمر يجب التحكم به..
وقبل أن نتحدث عن هذا الأمر بشكل دولي، يجب أن نعرف ما هي الدول التي تستخدم التقنية النووية لإنتاج الطاقة.. وإذا كنا قلقين من أن تصبح إيران دولة ذات قوة نووية فعلينا أن نتعامل مع هذا الأمر لأن المنطقة كلها قلقة من هذا الأمر، وكذلك ماليزيا، التي ترفض وجود القوة النووية في شبه الجزيرة الكورية.. لكن مع ذلك يجب أن نجلس ونتحاور ونبحث كيفية منع حدوث ذلك.
* ما رأيكم في انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلية للمسجد الأقصى وأنتم في ماليزيا لديكم نشاط واضح على صعيد القضايا الإسلامية؟
ـ لا يحترم الإسرائيليون أية وجهة نظر كما يوجد لديهم أخ أكبر يقوم بتوفير الحماية لهم.. ومع ذلك نحن نريد العدالة ليس أكثر.. ولماذا لا تحترم القرارات الدولية.. الأراضي الفلسطينية والقدس، أراض محتلة باعتراف المجتمع الدولي.. فلماذا لا تناقش قضية القدس في مجلس الأمن الدولي.. ولا تكمن المشكلة في الدمار الذي قد يلحقه الإسرائيليون بالأقصى بقدر ما يجب منعهم من القيام بأي أعمال ترميم للمسجد.
* جرى الاتفاق مؤخراً على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، فما هي رؤيتكم لهذه الحكومة؟
ـ جهود خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، كللت بالنجاح، ونأمل في دوام الوحدة بين صفوف الشعب الفلسطيني.. وعندما ينجح الفلسطينيون في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم جميع الفصائل سوف يقدمون الصورة المناسبة لإمكانية استئناف التفاوض معهم، وعلى الولايات المتحدة والغرب قبولها.
* شكلت المسألة المذهبية في العراق جدلا وحديثا محتدما.. هل تعتقدون أن الخطر المذهبي قد يمتد إلى المنطقة الآسيوية؟
ـ أعتقد أننا في ماليزيا لا ننظر للمسلم على أساس مذهبه السني والشيعي ونؤمن بالقرآن والسنة النبوية، وعلينا ألا نقع في فخ التفريق بين الناس. والكاثوليك مع أنهم أقلية في أميركا إلا أنهم نجحوا في الوصول إلى منصب الرئيس لأنهم في الولايات المتحدة يحترمون الأقليات.. ولكننا نذهب إلى التفريق بين السني والشيعي.. والمشكلة أننا نقلنا الشبهة إلى المسلمين.. ويصعب على أعداء الإسلام هزيمة دين يشكل نظام حياة.. ولكن قد يستطيعون هزيمة المسلمين في حال انقسامهم.
الدوحة ـ أيمن عبوشي