أجنبيات اعتنقن الإسلام وانطلقن مع القرآن الكريم نحو حياة جديدة بعد أن ربطن مصيرهن بأزواج مسلمين وقررن العيش في جنوب لبنان. دخلن بيوت القرى ومساجدها وشاركن الأهالي أفراحهن وأحزانهن ونسجن علاقات اجتماعية واسعة مع أهالي المنطقة، غادرن البلاد إبان عدوان إسرائيل في يوليو الماضي، وما لبثن أن عدن إلى ديارهن بعد وقف النار مباشرة رافضات البقاء في بلدانهن الأم.

الأميركية ليزا غصين التي تعرفت إلى زوجها اللبناني قبل خمسة عشر عاما وغادرت بصحبته كاليفورنيا إلى لبنان بعيد اعتداء 11 سبتمبر، تعتبر أن الولايات المتحدة هي مكان جيد للزيارة وليس للعيش إلى الأبد.

وتقول «أجد متعة في العيش هنا .. الناس أكثر صدقا وعمقا يساندون بعضهم، وهذا أمر ساعدني إلى حد كبير على تخطي الصعوبات التي تعترض أي غريب عن البلد، كل شيء مختلف هنا حتى العنف والمخدرات التي تنتشر في المجتمع الأميركي لا أجدها هنا، والأهم من ذلك كله شعوري المطلق بالأمان على أولادي في هذه البيئة.

بينما يستمر شعوري بالخوف والقلق في كاليفورنيا عليهم وأحول دون تركهم يلعبون ويلهون في الخارج لأن مصيرهم قد يكون إما الخطف أو التعرض لأمور مرعبة، في حين أنهم يمارسون حياتهم في لبنان بشكل عادي وآمن، يذهبون إلى مدارسهم يلهون في الخارج يزورون أصدقاءهم دون أن يتعرضوا لمكروه».

وتعتبر ليزا أن حال الجنوب كان أفضل بكثير قبيل العدوان الإسرائيلي. وتقول «كان الناس هنا أكثر راحة وطمأنينة، لقد غادرت خلال العدوان مع كل الرعايا الأميركيين وكان في قلبي غصة وحزن عميقان على كل ما بنيته في لبنان من منزل ونشأة أولاد ونمط عيش وعلاقات اجتماعية وصداقات، مكثت مع عائلتي في كاليفورنيا عدة أشهر وقررت على العودة بعد أن هدأت الأوضاع.

وكنت طيلة فترة إقامتي في كاليفورنيا بكامل حواسي وعقلي مع لبنان وبالأخص مع الجنوب الذي تعرض لحرب عدوانية مدمرة، حاولت أن أنقل صورة واقعية لكل معارفي حول حقيقة ما يجري في لبنان وسعيت ليفهموا جيدا أن إسرائيل كيان معتدي، فيما أهل الجنوب هم أصحاب حق وأرض، ومع عودتي إلى لبنان لم أفاجأ بحجم العدوان وما خلفه من دمار لأنني كنت قد رأيت ما خلفه احتلال إسرائيل للجنوب على مدى عشرين عاما قبل ذلك وأرى ما يفعله الإسرائيليون يوميا بالفلسطينيين».

وتقول ليزا عن زوجها اللبناني إبراهيم غصين، انه كان أول رجل عربي ومسلم تلتقيه في حياتي. وتضيف «أعجبني ولم أتردد بالارتباط به ومنذ ذلك اليوم بدأت أقرأ وأتعمق بالدين الإسلامي، تأثرت حينها بكتاب لمفكر أميركي أشهر إسلامه عنوانه «فهم الإسلام والعالم الإسلامي» قرأت العديد من الكتب من بينها نهج البلاغة، شعرت براحة نفسية مطلقة لاعتناقي هذا الدين ووجدت القرآن الكريم بالنسبة لي هو مدرسة فكرية وأخلاقية، وفي اعتقادي أن الناس يتمتعون هنا بأخلاق حميدة لأنهم يعتنقون هذا الدين».

آدم ونوح ودانيال ومحمد،هم أولاد ليزا الأربعة الذين تربوا على حب الإسلام كما تقول الأم التي تؤكد أن أطفالها لا يتركون فريضة صلاة، يصومون في شهر رمضان ويتابعون تحصيلهم في مدارس إسلامية في الجنوب يقرأون كل أنواع الكتب وعقلهم منفتح على كل أنواع المعرفة لكنهم متمسكون بإسلامهم ودينهم.

وتعتبر ليزا أن الدافع الوحيد الذي قد يجبرها على العودة إلى الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة هو دراسة أولادها في المراحل التعليمية المتقدمة وضرورة متابعة تحصيلهم في الجامعات المتطورة هناك، لكن ذلك لن يكون مشكلة بالنسبة لهم طالما أنهم يختزنون الأفكار الجيدة والدين السليم ويكونون قد أصبحوا راشدين مدركين لخياراتهم بشكل واع.

ـ أما الأسترالية بريندا، فقدمت قبل تسع سنوات إلى جنوب لبنان مع زوجها هاني، متخلية عن مواقع تربوية حكومية عالية في بلدها. انخرطت في المجتمع الجنوبي وأفادت طلاب القرى من خبراتها التربوية ولغتها الإنجليزية حيث عملت كمنسقة لغة أجنبية في إحدى أهم مدارس مدينة صور. وتقول بريندا «حرصت منذ قدومي أن يكون لي دور فاعل ومشاركة اجتماعية ومهنية في كل أمور الحياة في الجنوب، وقد نظمت دورات خاصة في اللغة الإنجليزية لسكان القرى المجاورة وأعددت دورة خاصة في دار الإفتاء لرجال الدين المسلمين الراغبين بتعلم اللغة بطلب رسمي من مفتي جبل عامل.»

وتضيف «يتميز الرجال هنا بالشجاعة والشهامة والرجل العربي شريك بكل ما للكلمة من معنى يحترم المرأة ويثق بها، ولو أتيح لي أن أختار ثانية لاخترت رجلا عربيا مسلما دون تردد».

وعن مدى اقتناعها اعتناق الدين الإسلامي، ترد بريندا إنه الخلاص بعينه، شعرت من خلاله بقربي من الله دون وسيط فالصلاة اليومية التي أؤديها كمسلمة تشعرني بهذا القرب، وأديت برفقة زوجي فريضة الحج العام الماضي وارتديت الحجاب دون أي تردد.

ـ أما جيني، فقد جاءت إلى لبنان بعد أن عاشت لسنوات في كاليفورنيا مع ولديها علي وهادي، وتقول «تعرفت على زوجي وقررت الارتباط به دون أن أفكر يوما أنني سأتعمق بالدين أو أبدل ديني، وشعرت بأن الإسلام لمسني من الداخل وبدّل طريقة تفكيري نحو الأفضل». وتؤكد جيني أن ما دفعها للعيش في لبنان هو إرادتها مع زوجها أن يكتسب أولادها الدين الإسلامي لأنه دين حياة وأردت أن ينشأ أولادي في مجتمع عربي يتمسكون بأسرتهم إلى النهاية بدل ان يستقلوا عنا باكرا كما هو الحال في مجتمعات أميركا».

ـ والبرازيلية كاتي التي تزوجت رجل أعمال جنوبي، تؤكد أنها ستستقر في لبنان ما إن تستقر الأوضاع السياسية فيه، وهي تعتبر أن المجتمعات العربية هي ضمانة لمستقبل العائلة كلها فلا يعطى الأولاد حرية مطلقة كما في البرازيل حيث تستقل الفتاة عن أهلها في سن المراهقة وتخضع لشتى التجارب والأخطاء بعيدا عن عائلتها التي يفترض أن تكون إلى جانبها لتفيدها وتدعمها.

وتؤكد أنها لن تعيش في غير هذا البلد «حتى أشعر بالطمأنينة على مستقبل عائلتي». وتشيد باللبنانيين وبشكل خاص بالجنوبيين ، وتقول إنهم مميزون بصفائهم وقدرتهم على التواصل مع الأجنبي بعيدا عن الرياء والكذب. وتقول «أعتبر أنني ربحت أهم ورقة في حياتي باختياري رجلا عربيا يحب عائلته ويحترم زوجته ويمارس دوره بأخلاق وإيمان».

جنوب لبنان ـ ثناء عطوي