يهتف اللبنانيون هذه الأيام برغم اختلافاتهم السياسية بصوت واحد، لتشجيع الخيول التي يراهنون عليها مخلفين وراءهم في ميدان سباق الخيل في بيروت هموم السياسية. وفي داخل الميدان الذي تبلغ مساحته 200 الف متر مربع، تفقد الالوان مدلولاتها السياسية، لتقتصر على الاشارة الى اسطبل معين.
فالبرتقالي لون التيار «الوطني الحر» الذي يتزعمه النائب المعارض ميشال عون يرمز إلى اسطبل فرعون مثلا، وكذلك الاصفر لون «حزب الله» المعارض او الازرق لون «تيار المستقبل» الذي يرئسه زعيم الاكثرية النيابية.ولا يسمع هناك هتافات مطالبة بالمحكمة الدولية أو بحكومة الوحدة الوطنية، بل هتافات من قبيل «يللا عصام، يللا» بصوت عال لرجل برزت عروق رقبته من شدة الصراخ.
أما بالنسبة لنبيل زنتوت، والذي درج على ارتياد ميدان سباق الخيل منذ نحو 40 عاما، ويقول «المكان الوحيد في البلد الذي لا تسمع في ارجائه كلاما في السياسة او الدين هو ميدان سباق الخيل».ويتوزع المشاركون على مدرجات الدرجة الثانية او عند منصات الدرجة الاولى، يجمع بينهم ولع المراهنة على الخيول، سواء كانوا مسيحيين او مسلمين معارضين للحكومة او موالين لها».
ويقول جمال، من سكان جنوب لبنان، واعتاد المراهنة منذ 25 عاما «نأتي لننسى ما يجري خارج الميدان. الخيول همنا الوحيد».وعلى حارة التسابق تتبارى سبع جياد عربية اصيلة في سباق الـ 1400 متر. يرتفع التوتر بين الجمهور وتتردد هتافات التشجيع كما تتردد الشتائم.
وعندما يتقدم الجواد عاصي لاجتياز خط الوصول يتهافت المراهنون عليه تحت امطار غزيرة ويهتف احدهم باعلى صوته «عاصي هو الملك».ويتبادل الرابحون التهنئة فيما تتردد بين الخاسرين الشتائم للحظ السيء. وعلى بعد امتار قليلة تسهر القوى الامنية على أمن الحاضرين: المشاجرات هنا تندلع بسبب الجياد فقط لا لأي سبب آخر.
وبكل ثقة يقول خليل الذي قطع 120 كيلو مترا ليصل إلى ميدان سباق الخيل «عندما يتوقف سباق الخيل يكون البلد قد قضي عليه».ويروي نبيل نصر الله، مدير المؤسسة التي تدير ميدان سباق الخيل، إن «السباق في الميدان توقف ثلاث مرات فقط منذ التأسيس وذلك خلال الحرب الاهلية (1975-1990) وان أبرز محطات التوقف كانت خلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت العام 1982 عندما دمر قصف طائرات الاحتلال جزءا منه».
ويوضح نصر الله، وهو يجول بنظره على اشجار الصنوبر المحيطة بالارض ذات التربة الحمراء «ان الميدان بمثابة الرئة التي تتنفس منها بيروت»، ويضيف «بين الخيالة مسلمون يصلون قبل بدء السباق، لكن الفروقات تختفي هنا فلا يوجد سني او شيعي».
ولفت إلى أن «ميدان سباق الخيل يؤمن مداخيل لاصحاب الخيول، للسائسين، للخيالة، للمدربين، للاطباء البيطريين، ولعدة وسطاء اخرين»، لكنه يقر بأن «الازمة الاقتصادية لم توفر ميدان سباق الخيل. قبل الحرب كان لدينا 1300 جواد وبات العدد حاليا يتراوح بين 500 و600».
ويقع ميدان سباق الخيل على خط التماس الذي فصل خلال سنوات الحرب الاهلية بين شطري بيروت الاسلامي (الغربي) والمسيحي (الشرقي)، لكنه ورغم موقعه استمر يشكل حيزا للتبادل والتلاقي.وكلفت بلدية بيروت، مالكة ميدان سباق الخيل، «جمعية حماية وتحسين نسل الجواد العربي» ادارة الميدان. وتستخدم الجمعية وهي جمعية لا تبغي الربح 250 موظفا.
وفي ايام السباق تتحول نوافذ المراهنات والاسطبلات إلى ما يشبه خلية نحل، يتحلق الموظفون حول الخيالة والاحصنة فيما تغص المدرجات بالمراهنين المتحمسين. ويقول أمين بشير، أحد المشاركين «المراهنون على الخيل لا يلقون بالا للسياسة، كل ما يهمهم رؤية التراب يتطاير بين اقدام الخيول، سواء كانوا مسيحيين او مسلمين».
ويتداول المراهنون دعابة مفادها ان «مسيحيا فقد قريبا له واراد ان يتصل هاتفيا بالمقبرة الكاثوليكية لاتمام دفنه. طلب المسيحي خطأ رقم ميدان سباق الخيل وسال «هنا المقبرة الكاثوليكية»، فأجابه الموظف «لا هنا مقبرة كل الطوائف».