على ارتفاع 2300 متر عن مستوى سطح البحر، وفوق أعلى قمة من قمم جبال جرجرة، في بلاد القبائل الجزائرية.. أقام الإنسان منذ مئات السنين وشيد بيوتا من القش وأخرى من الحجارة، وتطورت وكبرت وصارت بلدة حملت اسم «بني يني»، وتجاوز صيتها حدود الجزائر.
هي قرية كباقي قرى منطقة القبائل المنتشرة على المرتفعات وسفوح جبال شامخة تستنشق هواء البحر المتوسط، وتمارس طقوسها في حيوية تنعشها مليئة خضرة الأرض وخصوبتها وجمال الطبيعة، لكنها تنفرد عن سواها بميزة لازمتها منذ أجيال كونها عاصمة الفضة في الجزائر. تغطي قرية «آث يني»، وهو اسمها البربري الأصلي وتسمى بالعربية «بني يني»، نسبة عالية من احتياجات الجزائر من الحلي الفضية عالية الجودة، ينتجها فنانون حقيقيون توارثوا الحرفة أبا عن جد، وحرصوا على مر السنين على صيانتها وترقيتها رغم الهزات العنيفة التي قاسمت فيها المنطقة غيرها من جهات البلاد، باعتبارها كانت في قلب ثورة التحرير بين 1954 و1962، وهي أيضا من أكثر جهات الجزائر تأثرا بالعنف والهول الذي شهدته في السنوات العشر الأخيرة. من جهة وندرة المواد الأولية التي تدخل في صناعة الأساور والحلي التقليدية وفي مقدمتها الفضة والمرجان من جهة أخرى، بالإضافة إلى ضيق مجال توزيع المنتوج بفعل الانحدار المستمر لقدرة العائلات الشرائية، بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال في العقود السابقة، وتراجع إقبال السياح الأجانب وكل الجزائريين المقيمين في أوروبا، على زيارة البلاد كما جرت العادة في فصلي الصيف والخريف من كل عام لقضاء العطل السنوية.
من أجل المرأة
اقترنت صناعة الفضة في بلاد القبائل وفي جميع بلدان المغرب العربي، بالحلي وبزينة المرأة، بصورة صار يتعذر على المرء تخيل إحداهما ، دون الأخرى. حتى ان ارتباط الفضة بالمرأة حجب كون المعدن ملكيا تصنع منه الأواني وأثاث القصور والسرايا منذ زمن بعيد. الفضة كرمز للأناقة والصلابة بدت للمرأة القبائلية المعوزة والجبلية، أليق بها فراحت تسدي جسدها بها من أخمص قدميها إلى أقصى خصلة من شعرها،
وتتباهى بارتدائها في كل مناسبات الأعراس والأفراح والأعياد. ويحكى أن نساء وفتيات القبائل لم ينقطعن عن التزين والتجمل بالفضة حتى في أحلك أيام المجاعات، التي اجتاحت المنطقة ومناطق الجزائر الأخرى إلى منتصف القرن العشرين.
ورغم حياة الزهد والتقشف التي عرف بها أهل الريف، كانت للمرأة والفتاة صرتها التي تقتصد فيها بعض الدراهم وهي من الفضة أيضا لتقتني بها حليها، التي تعجبها أو تقدر عليها عند الباعة المتجولين عبر القرى والمدن، أو عند الصياغ في محلاتهم التي عادة ما توجد غير منفصلة عن ورشاتهم الكائنة داخل ديارهم بالذات.
رموز وتقاليد
ويبقى الأبناء هكذا يتوارثون فن صناعة الفضة عن آبائهم رغم قساوة الظروف كما أسلفنا، ولم يتخلوا على الأقل في «بني يني» عن طرق العمل اليدوية الموغلة في القدم، وتبدأ بتذويب الفضة وطرقها بالكيفيات التي يحتفظون بسرها هم لوحدهم، ثم ترصيعها بالمرجان في شكل زمردات ملونة.
ويسمى الصائغ باللغة البربرية المحلية «أحَدّاد الفطة» وهو ما يقابله بالعربية «حداد الفضة»، ليس فقط لأن طرق العمل المتبعة تشبه طرق العمل الخاصة بالحدادة، وإنما أيضا لما في الحدادة من حرص على الإتقان والدقة. وأهم ما يميز حلي «بني يني» الفضية، سُمكها وثقلها، وأجمل ما تمتاز به أشكالها الهندسية التي تطغى عليها المثلثات والمربعات والدوائر من كل حجم.
وهي علامات ورموز نشأت مع الثقافة البربرية العريقة، ونجدها كذلك في شكل رسوم على الأواني الفخارية وعلى الزرابي والألبسة التقليدية البربرية في كثير من جهات الجزائر. كما لا تخلو من الرموز الإسلامية مثل الأهلة التي تبرز فوق حلقات مصنوعة بشكل قبب أو صومعات.
فالحلي من هذه الناحية وبهذه الأشكال الخاصة ببلاد القبائل الجزائرية، ترمز أكثر ما ترمز إلى تعايش الثقافات والحضارات فيما بينها وانصهارها بعضها في بعض وترسيخ معالمها في الذاكرة. كما تدل بعض الرموز فيها إلى التوازن الذي تسعى المرأة القبائلية إلى تحقيقه في شخصيتها بين حب الجمال والتجمل من جهة والزهد وعدم التبرج من جهة ثانية.
صناعة المرجان
وعوض الزمرد والألماس يفضل حرفيو «بني يني» تعشيق الأساور والقلادات ـ إن كان ذلك ممكنا ـ بحبات من المرجان تغلب عليها الألوان الحارة الجذابة مثل الأحمر والأصفر، في حين تكاد تنعدم التلوينات على الأبازيم والخلاخل والأحزمة الفضية المتميزة بنقوشها الدقيقة والمعقدة . وتلاحظ الزركشة والزخرفة بوجه أخص في أنواع الحلي التي تبرز أكثر من غيرها على جسد حاملتها،
مثل السوار الغليظ الذي يملأ الزند ويزداد تألقا ولفتا للنظر، عندما يكون مقرونا بأوشام على الزند ذات الأشكال والرموز المنسجمة مع أشكال ورموز السوار ذاته، أو بالحناء القانية على الكف. ويكون المنظر أزهى حين يثبت الخلخال المرصع بالمرجان الأحمر واللون الأزرق على الكعب، يتوسط وشوما على الساق ناصعة البياض والرجل المخضبة بالحناء.
وفوق خصلات الشعر القليلة التي تطلقها المرأة ضفائر تحت «المحْرمة» الرقيقة يتدلى مفتول الفضة في أبهى حلته، وتسمى باللغة المحلية «أسارو» ويكلل الرأس إكليل تاجي تتجلل به القبائليات، وتزيدهن رونقا وإجلالا تلك المشابك (الشَّرْكة) المغروسة بين الضفائر. وعلى الأذنين يرخي الإبزيم سدوله وعادة ما يكون طويلا وعريضا مفتولا في أسفله.
رمز الحب والشوق
كانت صناعة الفضة إذن، مع حرف تقليدية أخرى لا تقل أهمية، على ضمادة من ازدهار جديد، لولا العراقيل التي اعترضتها وألقت بها في أزمة حادة، قد تعصف بها في السنوات المقبلة، إن لم تتدارك الهيئات المسؤولة عن قطاع السياحة والصناعات التقليدية الوضع الذي يشكو منه أصحاب الحرفة، من ندرة المواد الأولية وارتفاع الضرائب وما إليها من المعوقات.
هي ذاكرة بأكملها صنعتها أنامل «بني يني» السحرية، أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية ويستحضرها سكان القبائل في لحظات من الوجد والشوق.. وفي كلمات مخلدة لمآثرهم. ويتمتع صانع الفضة أو«حداد الفضة»، كما يسمى محليا بمكانة خاصة لدى السكان وفي قلوب الفتيات والعاشقين بصفة خاصة، تعبر عنها أجل تعبير صيغة المناجاة التي يناجي بها مثل أي ولي صالح صانع كرمات وصاحب حكمة.
وكثيرا ما وجدنا عبارات «يا حدّاد بني يني» وفي بعض الأحيان «يا حدّاد الفضة»، في مطلع قصائد شعرية وجيزة مقفاة تدعى باللسان البربري «إزلان» تنظمها النسوة في حريمهن بعيدا عن مسمع الرجال، يطلقن فيها العنان لجوارحهن وأحلامهن الوردية،
اذ لا تخلو هذه القصائد من ذكر أسماء الغواية بجرأة يعجز عنها الذكور في مجتمع جد محافظ. وككناية عن بعض الموضوعات المكبوتة وترميز لبعض معاني الجمال يلجأن لاستعارة أسماء الحلي. هذا ولا يغيب في هذه الأشعار وصف فضائل الحلي بحد ذاتها بوصفها زينة من زينات المرأة العادية.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي