نقل «الايدز» إلى زوجته وهجرها بلا رحمة
تزوجها وهو مصاب بمرض نقص المناعة المكتسب«الايدز»، وأنجب منها ثلاثة أطفال ولما بدأت الأعراض تظهر عليها هجرها لأنه «سئم شكواها من أعراض المرض». السيدة الأربعينية المصابة بمرض «الايدز» تهربت طوال لقائنا معها أن تذكر كلمة «الايدز» بالاسم، وواصلت وصفه «بذاك المرض»، رغم أن إصابتها به تكاد تتجاوز العشر سنوات.
بتسليم كبير بقضاء الله وقدره، كانت تتحدث لنا عن معاناتها.. ليس مع «الايدز» وانما مع الظروف المعيشية الصعبة ومع «النصيب» الذي قادها إلى هذا القدر. تقول «أهلي وأقاربي متعاطفون معي وبخاصة أنهم يدركون جيدا أنه لا ذنب لي وأن المرض انتقل إلي من خلال زوجي، أما بقية الناس فلا يعرفون أصلا عن ذاك المرض».
وتضيف «لم أكن أعلم أنه مصاب بالايدز، وإلا لما تزوجته أصلا»، تهمس بذلك همسا ثم تصمت.. تتنهد، من دون أن يظهر أنها تبكي أو أنها ستبكي، إلا أن معاناة الأرض ستلاحظها في ملامح وجهها .. رعب حينا وحزن حينا آخر.. وألم دائم.. كلمة واحدة فقط يمكن ان تتبادر إلى الذهن لدى رؤيتها.. انها «امرأة من تعب».
تجيب نفسها بنفسها «هل توجد إنسانة عاقلة تلقي بنفسها إلى جحيم المرض».. جاء طالبا يدها من أهلها كما يفعل الآخرون ووافقت وتزوجت ولكن ليس كأي «زيجة». الزوج لم يكتف بذلك فقط، بل قام قبل أيام فقط بهجر العائلة «لأنه سئم من مضاعفات مرضها بعدما أصبحت مناعة جسمها تقارب الصفر فتنحى عنها وعن أطفاله لتعود هي بأولادها الثلاثة إلى بيت أبيها والعيش مرة أخرى مع زوجة أبيها في ظل أوضاع مادية صعبة للغاية لعائلة أبيها».
هي كما تقول لا تعاني من «الايدز» بقدر معاناتها من الالتهابات الرئوية .. فهي تحمل جواز سفر أردني مؤقت، وبهذا لا يحق لها العلاج في المستشفيات الحكومية، ولكنها أخيراً تمكنت من الحصول على إعفاء للعلاج في احد هذه المستشفيات.
تقول«ستقتلني الالتهابات الرئوية الحادة قبل الايدز فأين سيذهب أطفالي الثلاثة الذي يبلغ أكبرهم تسعة أعوام فقط».
وتضيف« فوق موتي وفقدان الأب وفوق كل ما يعانونه من أوضاع اقتصادية قاتلة سيكبرون بوصمة اجتماعية لن ترحمهم». المصيبة الأكبر ان مرضى «الايدز» لا يستطيعون في العادة طلب مناشدة أحد لمساعدتهم لسوء النظرة والوصمة الاجتماعية المرافقة لهم.
وتبلغ نسبة السيدات في الأردن المصابات ب«الايدز» 20 من المصابين، ووفقا للإحصائيات فإن وسيلة الانتقال الرئيسية للمرض بين المرضى رجالاً ونساء وأطفالاً في الأردن بشكل عام، هي الاتصال الجنسي (45 5) ونقل الدم (39 5) والباقي وسائل غير محددة.
ووفق تصريحات الدكتور رجائي العزة، رئيس قسم الإمراض المنقولة في الأردن، فان عدد المصابين الأردنيين بمرض الايدز قد يبلغ نحو 155 مصابا من أصل 415 إصابة مسجلة في الأردن، منهم 260 من جنسيات غير أردنية. وبلغت أعداد وفيات المرض حتى العام الماضي 76 وفاة،
ووفق د. العزة فان غالبية أعمار المصابين في المرض تتراوح مابين 20 إلى 39 سنة، في حين ان نسبة الأطفال المصابين في المرض ضئيلة جدا مقارنة بالعدد الكلي وهي ثلاث حالات تتراوح أعمارهم ما بين خمس سنوات إلى 13 سنة.
الاحتلال يشتت أسرة فلسطينية في ثلاث دول
اختلطت علامات الفرحة والألم في عيون المواطن عليّان صالح- من بلدة كفر راعي في جنين شمال الضفة الغربية، عندما أخبره موظف الارتباط العسكري الإسرائيلي في معسكر سالم، أن بإمكانه زيارة أسرته في مدينة باقة الغربية داخل إسرائيل.. بعد رفض طويل.
خرج صالح مسرعاً إلى سيارات النقل العام بالقرب من مدخل المعسكر، المدجج بالسلاح، والمحاط بالجدران العالية والأسلاك الشائكة، من دون أن يدقق في التصريح الذي تسلمه، ليكتشف بعد وصوله لبيته أن السلطات الإسرائيلية منحته مدة ثلاثة أيام فقط للإقامة مع أسرته تحت بند، تطلق عليه «حالات إنسانية».
يعيش المواطن عليان (50 عاماً) حياة استثنائية معقدة، فهو متزوج من امرأتين وله أسرتان، واحدة تعيش في مدينة باقة الغربية داخل أراضي عام 1948، والأخرى تقيم في العاصمة الأردنية عمان، ولم يستطع الإقامة في الدولتين ويقيم وحيداً في بلدته مع والدته السبعينية.
يرى عليان أن الاحتلال الإسرائيلي يقف وراء متاعبه وآلام، وأن عمل كافة المنظمات الدولية والإنسانية يصبح بلا قيمة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي اعتبرها دولة فوق القانون. وعلى جدران بيته الداخلية في الركن الغربي من البلدة، علقت صور كثيرة قال إنها تعود لأفراد أسرتيه البالغ عددهم ستة عشر فرداً، تتراوح أعمارهم بين عامين وثلاثين عاماً ويجمعهم مصير واحد،
ولا يعرفون بعضهم إلا من خلال الصور الفوتوغرافية والاتصال الهاتفي، فالأسرة بالنسبة للأب لا تعدو كونها صوراً يحتفظ بها لأنها تشعره دائماً بذكريات أسرة وأطفال، يحن للقائهم ويشتاق لهم باستمرار. وجاءت زيجة عليان الثانية بعدما رفضت إسرائيل الطلب الذي تقدم به للحصول على المواطنة الدائمة داخل أراضي 1948 ليعيش مع زوجته الأولى وأبنائه العشرة، ما اضطره للزواج مرة أخرى من ابنة خاله المقيمة في الأردن، والتي طلبها بتصريح زيارة في العام 1998،
ولم يسمح لها بالعودة مرة أخرى، بعدما عادت إلى عمان لزيارة ذويها في أواخر العام 2000. وأمضى السنوات الست الأخيرة متنقلاً بين الدولتين منفقاً كل ما يوفره من عائدات محله المتواضع لبيع الملابس المستعملة في أحد أزقة البلدة الضيقة، على سفراته هنا وهناك وعلى مصاريف أسرتيه الباهظة، حتى وصل به الأمر إلى وضع برنامج خاص بات يعرفه جميع من حوله، يحدد من خلاله أوقات سفره إلى الأردن أو إلى باقة الغربية.
وعن مدى تفاؤله من المستقبل وإمكانية أن تتغير الظروف السياسية الراهنة لصالحه، قال ساخراً «يبدو أن حقي في العيش مع أسرتي يشكل خطراً حقيقياً على وجود إسرائيل وعلى مفاعلها النووي، وإن تشتيتنا بهذه الصورة يعد جزءاً من الحرب العالمية على الإرهاب».
عمان ـ لقمان اسكندر ــ غزة ـ ماهر إبراهيم