في الماضي كان البيت هو المكان الطبيعي للتربية وغرس القيم في نفوس الأبناء، وليس من الغريب أن يكون كل الزعماء والمفكرين والعلماء أبناء لأمهات من ربات البيوت ، لأن أعظم نجاح تحققه المرأة على امتداد التاريخ الإنساني هو إعداد جيل للمستقبل.
لكن المرأة الآن لم تعد تطمح فقط ـ كما كان في الماضي ـ إلى أن تستكمل تعليمها أو تحصل على فرصة عمل مناسبة، وإنما امتد طموحها إلى المناصب المرموقة، كأن تكون قاضية أو وزيرة أو سفيرة، مما يدفعها باستمرار إلى إعطاء الجزء الأكبر من وقتها للعمل على حساب البيت والأبناء، وفي الغالب تلجأ مثل هؤلاء الأمهات إلى إيداع أبنائهن دار حضانة، التي لم تعد تقتصر فقط على الرضيع أو الأطفال قبل سن المدرسة، ولكن تخطت ذلك لتستقبل الأطفال حتى 11 عاماً، وبخاصة أثناء الأجازة الصيفية.
أما الأمهات الأقل ثراء، فيتركن أبناءهن الصغار بمفردهم في المنزل، وإغلاق الباب عليهم من الخارج حتى عودتهن من العمل، وهنا تبدأ قصة الكارثة. نطرح أمثلة من الواقع لنقدم حلولاً جذرية لمشكلة مستعصية :
أحمد طفل صغير عمره 6 سنوات، والده يعمل محاسبا وأمه محامية في أحد البنوك، وبسبب ظروف العمل وافتقادهما لأقارب مقيمين بالقرب منهما كان الخيار الوحيد ترك الطفل بمفرده في المنزل إلى أن يعودا من العمل كل يوم، وفي أحد الأيام قرر أحمد أن يلعب لعبة جديدة، بعدما أصابه الملل من كل الألعاب خلال وجوده في الشقة بمفرده، فأمسك بعلبة الكبريت، ودخل إلى خزانة الملابس وبدأ في إشعاله عوداً بعد آخر، فكانت النتيجة مروعة، وعندما وجد الصغير النيران تحاصره من كل اتجاه صرخ ليطلب النجدة ، وكان أول من استغاث بهما والديه الغائبين.
حالة أخرى لأب وأم موظفان في إحدى المصالح الحكومية، ولديهم ثلاثة أطفال هاجر (8 سنوات)، عبد الرحمن (6 سنوات)، ومحمد (سنتان)، تقوم الأم بتجهيز الإفطار لأبنائها كل يوم وتتركهم نائمين وتنصرف مع زوجها إلى العمل بعد أن تغلق عليهم باب الشقة .
استيقظ الأطفال الثلاثة من نومهم ، حاولت هاجر الصغيرة أن تلعب دور الأم في رعاية أشقائها، فتدخلت لحل الخلاف بين الشقيقين الصغيرين بعد شجارهما على اللعب بالأرجوحة، وحتى تهدئ هاجر من روع أخيها الصغير محمد أعطته طبق السندوتشات الفارغ ليدخله إلى المطبخ، لمعت في عين الصغير سكين موجودة على المنضدة، أخذها وأسرع إلى الخارج، شاهده أخوه عبد الرحمن مسيئاً لتقدير المسافة بينه وبين شقيقه، فأصطدم به ، ليصرخ الصغيران وهما على الأرض.
هرولت هاجر إليهما فوجدت السكين مغروزة في صدر شقيقها عبد الرحمن وينزف بغزارة، لم تعرف الصغيرة ماذا تفعل، غير أنها أخذت في الصراخ من دون أن يصل صوتها إلى أحد، حتى فارق شقيقها الحياة، وعندما حضر الوالدان وفتحا الباب، وجدا صراخ الطفلين، وعبد الرحمن قتيلاً يسبح وسط بركة من الدماء.
يرى د. أحمد المجدوب، من المركز القومي المصري للبحوث الجنائية والاجتماعية، أن الآباء في الفترة الأخيرة أصبحوا أكثر اتجاهاً في التخلي عن مسؤوليتهم تجاه أبنائهم، ويظهر ذلك غالباً في ترك المسؤولية بأكملها على عاتق الأم، بدعوى التفرغ للعمل لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
وهنا يبدأ عامل الإهمال الذي قد يكون بغير قصد في معظم الأحيان، وسبباً مهماً في التأثير على مستقبل الأطفال، وأحياناً يودي بحياتهم، كأن تنسى الأم على سبيل المثال بعض المواد الكيماوية أو السامة في متناول الطفل، ليعبث بها وهنا تكون الكارثة.
ويشير المجدوب إلى ان خروج الأم إلى سوق العمل لمشاركة الرجل في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، يؤدي إلى ظهور العديد من المشكلات وتفاقمها بشكل أكبر، بالإضافة إلى ظهور اتجاهات جديدة لدى بعض الأمهات تدفعهن للاستمرار في العمل، أو ممارسة أنشطة اجتماعية أخرى برغم عدم احتياجهن للعمل، بدعوى الحفاظ على المكانة الاجتماعية أو التطلع لتحقيق طموح معين، والنتيجة كارثة بالنسبة للأطفال.
ويؤكد على أن بعض الجوانب السلبية للتكنولوجيا الحديثة متهمة في تفاقم الكارثة، كأن تنشغل الأم مع شبكة الإنترنت أو التليفزيون او الهاتف، لفترات طويلة تصل إلى ساعات، مما يدفعها إلى نسيان أبنائها، وتكون النتيجة قيام الأطفال باللعب من دون وعي وتعرضهم لحوادث خطيرة.
ويحذر الخبراء في مجال الطفولة من افتقاد الأب والأم لمفهوم التنشئة الاجتماعية بمعناه التربوي، فأين هي القيم التي من المفترض أن يقدماها للأبناء، وأين هي المتابعة؟ ، ودورهما لابد أن يكون أشمل وأوسع، ولا يقتصر فقط على متابعة الطفل في دراسته، ودروسه الخصوصية التي تكفل له النجاح، وإنما دورهما أكبر من ذلك، لأن النتيجة ما نراه حالياً من ارتفاع نسبة ارتكاب الأطفال للجرائم، التي لم تعد حكراً على الأطفال المشردين.