رغم تنوع أطباق الحلويات وتعدد أصنافها المقدمة في المائدة اليمنية، يظل طبق الزبيب اليمني، الصنف المفضل للضيوف والمتزاورين، كباراً وصغاراً، وبخاصة في المناسبات وأيام البرد القارص في فصل الشتاء.
ومنذ القديم ظل الزبيب الهدية المحببة للملوك في الحضارات القديمة، وعثر على نقوش أثرية تمجد شجرة العنب وتتحدث عن الزبيب ومنافعه، إلى درجة أنهم استخدموا هذه الفاكهة ككفارات عن خطاياهم، وقدمها اليمنيون القدماء للمعابد السبئية والحميرية القديمة، كما واكتسى الزبيب قيمة تبادلية في المعاملات التجارية ومقايضة السلع لما يتميز به من ملاءمة للحفظ الطويل وقيمة غذائية عالية.
كل ذلك أعطى الزبيب في حياة اليمنيين مكانة قلما بلغتها أي فاكهة أخرى، فتفننوا في طرق تجفيفه والاحتفاظ به وصناعة العصائر منه، حتى أصبح الفاكهة الأسطورية التي جابت شهرتها الآفاق، كما يتردد في المثل الشائع »لازبيب اليمن ولابلح الشام«، الذي يضرب على عدم جودة الشيء. وثمة مثل أخر يردده اليمنيون ويدل على المكانة التي يحتلها الزبيب، يقول »جمل محمل زبيب ويأكل سنف«، والسنف هو من الشوكيات المؤلمة التي تعتاش عليها الإبل، ويضرب المثل على من يترك الأشياء الجيدة والنافعة كالزبيب ويرضى بشظف العيش وقسوته، إما لأنه لا يطالها أو لأنه ألف على خشونة حياتها وقسوتها.
ونسج الناس باستمرار الروايات والأحاديث عن منافع الزبيب، فمن جيل إلى جيل، تتناقل الحكايات التي تبين تأثير الزبيب وقوة مفعوله في مقاومة العلل والشفاء من الأمراض. ولارتباطه الطويل بحياة اليمنيين ومعيشتهم، أصبح عنوانا للكرم اليمني يقدم كهدايا أوفي أطباق للزوار خاصة في المناسبات كالأعراس والأعياد الدينية ،التي يكثر فيه التزاور والمعايدة.
وهناك من يقدمه كعصائر يطلق عليها »نقيع الزبيب« بعد أن يترك في ماء دافئ ليوم أو يومين أو أكثر حتى يطلق حلاوته ثم يقدم شرابا. وفي مناطق أخرى مثل محافظة صعدة المشهورة بإنتاج العنب الأسود بعد أن ينقع الزبيب بتلك الطريقة يطحن ثم يقدم شرابا لزجا يطلق عليه »الشنين«.
صالح البهلولي، بائع زبيب، يقول: الزبيب اليمني سلعة لا تنافس وأنواعها كثيرة فهناك الزبيب البياض، الرازقي، الأسود، وكل نوع من هذه الأنواع ينقسم إلى أنواع عدة تتفاوت جودة وسعرا وحلاوة فهناك الصعدي، الروضي، الخولاني، العاصمي، الحشيشي، نسبة إلى بني حشيش في صنعاء. وكلها تتنافس في الجودة فيما بينها بدرجات متفاوتة لكنها تبقى كلها الجيدة والمرغوبة مقارنة بالزبيب المستورد، رغم رخص ثمنه مقابل الزبيب اليمني الذي لا ينافس مع أن سعره يصل إلى خمسة وثمانية أضعاف المستورد.
ويستطرد البهلولي: يمتاز الزبيب اليمني عن غيره بجودته وحلاوته وفائدته الغذائية وتنوعه، فضلا عن خلوه من حبوب النواة، وهذه ميزة جعلته على الدوام مرغوبا عند الصغير والكبير، كما أنه يمتاز بجفافه الخالي من اللزوجة والرطوبة مما يسهل حفظه لأشهر طويلة إن لم يكن لسنوات، من دون أن يفقد مذاقه المتميز والفريد، فهو على عكس الأنواع المستوردة التي ترشح باللزوجة فيصعب الاحتفاظ بها طويلا. كل تلك الصفات والميزات جعلته الفاكهة المفضلة حتى ان تقديمها للضيف أو الزائر أصبح عنوانا يعبر عن كرم الشخص وحفاوته بضيوفه وزواره.
يقول البائع علي مشلي: الإقبال على الزبيب يتزايد مع مواسم الأعياد التي تتزايد فيها الزيارات، وفي مثل هذه المواسم يتضاعف الطلب على الزبيب أضعافا مضاعفة حيث يقدم في أطباق أو جعالة للأطفال، ولا اعتقد ان بيتا يمنيا أورب أسرة لا يشتري الزبيب في مثل هذه المناسبات، كما ان العادة جرت أن يدخر رب الأسرة بعضا من الزبيب في أماكن خاصة للحفظ، وإذا ما زاره بعض الأقارب والأطفال يقدمه لهم ،وفي الغالب الأعم يتوفر المسنون على خبايا من الزبيب يستعينون به على مقاومة البرد، لما يمدهم من طاقة ونشاط وحيوية في مثل تلك الأيام.
يضيف مشلي أن الزبيب يساعد على تحفيز الطاقة الجنسية لمن يعانون من العنة، وكثيرا ما ينصح به مع بعض من العسل لاسترداد العافية ومقاومة الإعياء والتعب عند كبار السن، كما أن المداومة على تعاطيه مع اللوز البلدي يمنح شعورا بتبدل حال الشخص الذي يتعاطاه إلى درجة أن الكثيرين يوصف لهم لتقوية الفحولة، وطرد علل البرد والغازات والانتفاخات والدوخة والإغماء ،والزبيب الجيد والمفيد هو »البياض« فهو الأغلى ثمنا والأجود طعما وفائدة، وانصح من يرغبون بنوع جيد من الزبيب اليمني أن يختاروا البياض فهو شديد الحلاوة وليس فيه أدنى حموضة وإنتاجه قليل فيما الإقبال عليه يتزايد بشكل كبير.
ويقول خبير الأغذية محمود سعيد: مازال الزبيب هو الحلوى المفضلة عند كثير من اليمنيين لإدراكهم أنه خال من أي مواد حافظة أو أي مواد مضافة، فهو فاكهة طبيعية مجففة تعاطاه الناس منذ القدم وأدركوا فوائده ومنافعه، فبعد مرور وقت طويل على حفظه وتخزينه يظل محتفظا بقيمته الغذائية النوعية، لأن الطريقة التي جفف بها طريقة مبتكرة وفريدة حيث يقوم المزارع اليمني بخزنه في بيوت خاصة مظللة ومفتوحة من الجهات الأربع، ولا يتعرض للشمس حتى يتصلب ويجف.
صنعاء ـــ عبد الكريم سلام