في اليوم الثاني من أعمال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي الذي تجري أعماله في المنتجع السويسري دافوس، كانت هموم العراق وفرص وحدته وتقسيمه على رأس قائمة الاهتمام للفترة الصباحية، بحضور نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي ووزير الخارجية العراقي الأسبق عدنان الباجه جي، في جلسة أدارها أحد صقور الإدارة الأميركية السابقين ريتشارد هاس، الذي لم يبتعد كثيرا عن دائرة القرار بترؤسه لمجلس العلاقات الخارجية المؤثر على صناعة القرار الأميركي، بينما غاب كل من هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي، وموفق الربيعي مستشار الأمن القومي.

الجلسة كانت صريحة ومباشرة، وحفلت بالكثير من الرسائل غير المباشرة، أولها كان من عدنان الباجه جي الذي شدد على أنه لا استقرار في العراق طالما كان هناك ميليشيات تعيث قتلا في العراق، مبرزا أن وجود وزراء داخل الحكومة مرتبطين بهذه الميليشيات ويقدمون لها الحماية السياسية. وفي تصريحات خص بها «البيان» بعد انتهاء الجلسة، أقر الباجه جي بصعوبة الموقف الحالي، مراهنا على الاقتناع الذي بدأ في التبلور لدى الطبقة السياسية في العراق بأنه لم يعد ممكنا السماح ببقاء الوضع على ما هو عليه حاليا، وأضاف: «إن شاء الله سنشهد انتخابات تشريعية مبكرة» تقود إلى عملية مواجهة جادة ليس فقط تجاه المجموعات المسلحة المختلفة وإنما أيضا تجاه الميليشيات التابعة أو المحمية من أحزاب عراقية مشاركة في الحكومة. ووافق الباجه جي على صعوبة أن تقوم هذه الأحزاب بالتخلي طواعية عن ميليشياتها، قبل الذهاب إلى صناديق الانتخاب مجددا، مستدركا أن ذلك لن يكون بشكل طبيعي قبل ثلاث سنوات وهي فترة طويلة، مرجحا الذهاب إلى انتخابات مبكرة، تجري حاليا نقاشات بشأنها.

وردا على سؤال لـ «البيان» بخصوص الاحتمالات الواقعية لخطر تقسيم العراق، وما إذا كان استبعاده الشخصي لهذا الاحتمال عبارة عن أمنية أم هو مبن على نظرة واقعية، أكد الباجه جي أن تقسيم العراق لا يمكن أن يتم بين الشيعة والسنة في الوسط والجنوب بسبب التداخل الشديد للتركيبة الطائفية لهذه المناطق، رغم التهجير الحاصل حاليا، وأن البديل الممكن لدولة شيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط، هو وجود ميليشيات شيعية متقاتلة في الجنوب ومثلها سنية متقاتلة في الوسط، بسبب عدم وجود إجماع سني أو شيعي على جهة أو حزب بعينه.

وختم الباجه جي بالتأكيد على أن أغلبية العراقيين سنة وشيعة وأكراد وتركمان وغيرهم هم من المعتدلين، مضيفا«لكنهم للأسف الشديد لا يملكون السلاح الذي احتكرته الأطراف ذات التوجهات الطائفية».

من جانبه، وفي تصريحات مماثلة لـ «البيان» رفض ريتشارد هاس اعتبار إستراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش الجديدة في العراق بأنها فرصة أخيرة، لا بالنسبة للإدارة الأميركية أو بالنسبة للأطراف العراقية أو جوارها، موضحا أنه في حال نجاح هذه الإستراتيجية سيكون ذلك من مصلحة الإدارة الأميركية والعراق وجواره، وفي حال فشلت فسيكون على جميع هذه الأطراف مراجعة مواقفهم وإحداث تحول جذري عليها، لأنه «في السياسة ليس هناك أبيض وأسود، هناك دائما خيارات وعليك دراستها لتحدد وجهتك من النقطة التي تقف فيها».

وأبدى هاس اتفاقه مع الباجه جي في استبعاد احتمال أن يؤدي العنف الموجود حاليا إلى تقسيم العراق، مستبدلا هذا الخطر باحتمال استمرار وضع القتل المتبادل بين هذه الأطراف لفترة طويلة مقبلة.

هاس الذي غمز من قناة الحكومة الحالية، متسائلا متى يمكنها أن تصبح «حكومة وطنية يثق فيها جميع العراقيين، وقادرة عن تقديم الحماية والرفاه لهم، حتى لا تصبح الأصوات البريطانية والأميركية الداعية لتغيير شامل في سياسات الولايات المتحدة وحليفتها مسموعة أكثر» في تلميح للأصوات الداعية لانسحاب القوات الأميركية والبريطانية من العراق .

وتصدى له عادل عبد المهدى نائب الرئيس العراقي الذي أكد وجود جهود حثيثة تقترب من النجاح على جبهتين، الأولى هي الجبهة الأمنية في العاصمة بغداد، واتي «إن نجحنا فيها ستأخذ الأحداث في العراق منحى جديدا كليا على مختلف الأصعدة»، إضافة لجبهة الاتفاق على توزيع عادل لعوائد النفط بشكل يعود على المواطنين بالفائدة، وهو الاتفاق الذي وصل إلى مراحل متقدمة.

عبد المهدي حرص في المقابل أن يرسل برسالة مزدوجة إلى الإدارة الأميركية ودول الجوار، بالتشديد على ضرورة قيام مقاربة جديدة كليا تصنع من جيران العراق الستة «شركاء وليس مجرد مساعدين في تحقيق الاستقرار في العراق، وربط عبد المهدي فرص نجاح هذه الشراكة وإمكانية قبول إيران لها، بكونها قائمة على مراعاة مجمل المصالح للأطراف الستة، وهو ما يمكن أن يتأتى من خلال مساهمة هذه الدول مع العراق بصياغة رؤية إقليمية مشتركة للمنطقة ومصيرها وأجندتها».

وقال عبد المهدي خلال نقاش في منتدى دافوس الاقتصادي إن «العراق والعراقيين وضعوا تحت الاحتلال وهو قرار أحمق». وأعرب المسؤول الشيعي عن «تأييده الكامل لمشاركة جيراننا بما فيهم إيران وسوريا في طاولة مستديرة لا تبحث في العراق فحسب بل أيضا في رؤية شاملة للمنطقة برمتها».

وأضاف عبد المهدي أمام الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي الذي كان جالسا في الصف الأول، ان اقتراحا من هذا القبيل «سيؤمن لإيران وضعا جيدا اذا ارادت الانضمام إلى جيرانها».

وأعرب عبد المهدي عن تفاؤله بشأن احتمال عودة الهدوء إلى العراق بتعزيز القوات في بغداد لا سيما مع وصول التعزيزات العراقية المكلفة مراقبة مداخل العاصمة.

ووعد بالعمل على نزع أسلحة الميليشيات لا سيما الشيعية منها مؤكدا «اننا لن ننجح اذا لم نفعل ذلك. لا بد ان تنفرد الدولة وحدها بالقوة المسلحة. ولا يجوز أن تملك اي منظمة أخرى اسلحة».

فلسطين بدورها، وحتى تعطى وضعها من الاهتمام، برمجت في الفترة المسائية التي سيلتقي فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع نائب رئيس الوزراء شيمون بيريس، ووزيرة الخارجية تسيبي لفني، في إطار ندوة بعنوان يحمل بوادر تغيير في مقاربة العالم لهذه القضية: «إسرائيل والأراضي الفلسطينية: صار يكفي...» محاولين القول أن على أطراف الصراع تقديم رؤية واضحة للمجتمع الدولي حول السبل الواقعية القابلة للتحقق، والتي من شأنها تقديم حلول للقضايا العالقة في هذا الصراع.

وفي هذا السياق، كان ريتشارد هاس واضحا وصريحا في قوله ل«لبيان» «أنه لا يعتقد أن الوقت قد حان لرؤية تغير جذري على إستراتيجية الإدارة الأميركية في فلسطين»، مؤكدا أن الأولوية حاليا هي لقيام وإنجاح مفاوضات إسرائيلية سورية تقود لتوقيع اتفاقية سلام بين الطرفين، «لأن الفلسطينيين منشغلون في حسم قضاياهم الداخلية المتعلقة بالقيادة، والحكومة الإسرائيلية ضعيفة» بشكل يصعب احتمال تحقيق اختراق بينهما.

وبالتوازي مع الجلسة المخصصة لفلسطين، سيكون موضوع منع انتشار الأسلحة النووية ساخنا في قاعة مجاورة، لمحاولة استكشاف مدى قدرة الولايات المتحدة والقوى النووية الأخرى على منع مثل هذا الانتشار حقيقة، وفي حال فشلت، ما هي حدود قدرتها على معاقبة هذه الدول التي تسعى للحصول على مثل هذه التكنولوجيا؟ وحتى لا يزداد عدد الطامحين لمثل هذه الطاقة، ما هي الحوافز الحقيقية التي يمكن تقديمها لهم للإقلاع عن محاولاتهم؟ وأخيرا، ما هي ضمانات أن لا تصل هذه الأسلحة إلى أيدي جماعات إرهابية؟

دافوس ـ هيثم شلبي