بعد أن توزعوا على أربع موائد مستديرة، حاول المشاركون في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس أن يحددوا ملامح أهم التحولات الجارية على مستوى الاقتصاد والأعمال والمجتمع والقضايا الجيوسياسية، وذلك في مسعى لتحديد أكثرها أهمية، والذي سيطغى بتأثيره على ما سواه خلال العقدين الماضيين. نقاشات عديدة جرت في كل من الموائد الأربع، لكن الخلاصات جاءت مكثفة لتحصر أهم التحولات الاقتصادية في ثلاثة: أولها تزايد قوة الأسواق الناشئة، كالهند والصين في آسيا، وبدرجة أقل، بعض القوى الإقليمية في إفريقيا وأميركا اللاتينية.
التحول البارز الثاني كان تزايد الغضب من التفاوت الكبير الحاصل على صعيد الرواتب والتعويضات عن البطالة، وهو غضب يطال بالأساس الطبقة الوسطى، محرك أي عملية اقتصادية ناجحة. أما آخر التحولات الاقتصادية فكان تزايد تدفق رؤوس الأموال الخاصة عالميا، بالتوازي مع قلة الشفافية التي تحكم انتقال هذه الأموال عالميا. بارتباط مع ذلك، وفيما يخص التحولات الهامة التي جرت وتجري على صعيد الأعمال، فقد أضاف المشاركون تحولين اثنين: أولهما تقهقر إحساس الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية، وانتقالها على هذا الصعيد من الاهتمام بالمسؤولية إلى الاهتمام بالربحية. أما ثانيهما فكان ازدياد قوة المستهلكين على حساب قوة المؤسسات والشركات. التحول السادس كان على الصعيد الاجتماعي بتأثير التطورات التكنولوجية المتسارعة، حيث سجل المشاركون انتقال المجتمع من الذكاء الفردي على الذكاء الجماعي، مردفين بتزايد تأثير وقوة العامل الديموغرافي.
أما على الجبهة السياسية، فقد رصد المشاركون ثلاثة تحولات عميقة في طور التفاعل حاليا وستؤثر على تطور الأحداث مستقبلا، أولها: انتشار وتوزع القوة دوليا من القطب الوحيد لصالح عالم متعدد الأقطاب، وفي سياق قريب تزايد قوة منتجي وموردي المصادر الطبيعية، وآخرها هو تزايد التهديدات التي مصدرها جماعات وفاعلين من غير الدول.
وقبل الانتقال إلى محاولة استكشاف أي هذه التحولات سيكون الأعمق أثرا، تمت إضافة تحول لا يقل أهمية، إن لم يتفوق على ما سبق، وهو ذلك المتعلق بالتغير المناخي. هذا الأخير، ومن خلال عملية تصويت شارك فيها جميع المشاركين، اعتبر التحول الأبرز الذي سيهيمن على النقاش العالمي للعقدين المقبلين على الأقل، مستدلين على ذلك ببروز بعض بوادر هذا النقاش العالمي، باللهجة الجديدة التي اتخذها الرئيس الأميركي جورج بوش، ومديرو شركات نفطية في الولايات المتحدة الأميركية، والتي عبروا فيها عن اقتناعهم بأهمية تدعيمهم لجهود باقي دول العالم في خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وهي الجهود المتعثرة منذ بروتوكول كيوتو.
ويزيد من خطورة هذا الأمر أن أزيد من نصف المشاركين قد اعتبروا أن دول العالم في مجملها ليست مستعدة لمواجهة هذا التحول والتحدي الذي يمثله تغير المناخ. أما ثاني التحولات العالمية الجارية أهمية، فقد استقر رأي قرابة ثلث المشاركين على ما يمثله صعود قوة الأسواق الناشئة من أهمية، بينما اعتبر موضوع عدم المساواة الحاصل مستويات الدخل، كثاني التحديات التي لا يوجد لدى كثير من دول العالم استعداد حقيقي لتحمل تبعاتها أو معالجة أسبابها.
تبقى الإشارة، إلى أن هذا النوع من النقاش الذي يضع في مركز اهتمامه مختلف الأوضاع العالمية من زوايا فاعلين خارج دائرة الشركات، هو نشاط جديد نسبيا، يسعى المنتدى الاقتصادي العالمي من خلاله لا لتعديل صورته كمنتدى لقوى العولمة المتوحشة فحسب، وإنما تقديم جهود بحثية وعلمية مقرونة بمبادرات عملية على صعيد الاهتمام بالتغيرات المناخية، بعد أن سبق ذلك بمبادرات هادفة لمقاومة الأمراض الوبائية كالإيدز والسل والملاريا، بمساهمة مالية من شركات عالمية.