يسعى المشاركون في منتدى دافوس الاقتصادي، الذي يتواصل على مدار أربعة أيام، إلى فهم وتوضيح مختلف أوجه انتقال مراكز السلطة وتوزعها في النظام العالمي الذي يزداد ترابطه، مشيرين إلى أن تغير البنية الاقتصادية العالمية، و نشوء قوى اقتصادية وجغرافية سياسية جديدة بالتزامن مع انتشار العولمة أدى إلى رسم ملامح جديدة للعلاقات بين الدول والأسواق والشركات والمستهلكين، ما يؤكد على أن أميركا لن تعود القوى العظمى الوحيدة في العالم.
وقال مدير ورئيس الأجندة العالمية في المنتدى الاقتصادي العالمي جوناثان شميت إنه «في الوقت الذي شهدت فيه الأعوام الخمسة الماضية تسارعاً ملحوظاً في النمو الاقتصادي على مستوى العالم، فإن تغير مراكز السيطرة على الاقتصاد العالمي تولد شكوكاً وتساؤلات حول أسلوب إدارة هذا النمو الاقتصادي والمحافظة عليه».
وأضاف ان «النهضة التي تشهدها دول مثل الصين والهند وغيرها من الاقتصادات الآسيوية واقتصادات الأسواق الناشئة تعد رافداً أساسياً للاقتصاد العالمي». ولفت إلى ما أشار إليه «لاري سومرز، رئيس جامعة هارفرد السابق في يناير الماضي في دافوس، من ان بروز هذه القوى الاقتصادية الجديدة يعتبر من أهم الأحداث في تاريخ الإنسانية خلال الألفية الأخيرة، ولا ينافسه في أهميته سوى عصر النهضة والثورة الصناعية».
وقال «تتجلى أهمية صعود هذه القوى، إذا ما علمنا أن 2,2 مليار شخص في الهند الصينية وحدها بدأوا يلتحقون بسوق العمل العالمية، ومما لاشك فيه أن هذه الأرقام تفرض تحديات كبيرة على الاقتصاد العالمي لاحتواء هذه الأعداد».
وفي الوقت ذاته، فإن النهضة التي تشهدها البرازيل وروسيا والهند والصين تخلف آثاراً كبيرة على جوانب عدة للاقتصاد العالمي، وربما تفسر هذه النهضة بعض الظواهر الاقتصادية الغريبة التي شهدها العالم مؤخراً، إذ يعزى أداء أسواق السندات الشبيه بالأحجية إلى زيادة لا بأس بها في مدخرات الصين وآسيا والدول المصدرة للنفط، وكذلك إلى تراكم احتياطيات هائلة في أسواق العملات لدى الأسواق الناشئة ـ الأمر الذي أدى إلى المحافظة على أسعار الفائدة متدنية عالمياً لفترة طويلة.
ويعود انحسار التضخم في أسعار السلع، بالرغم من المعدلات الكبيرة للنمو العالمي، إلى أن السلع الصينية والآسيوية الرخيصة تكبح جماح هذا التضخم. أما ارتفاع أسعار السلع، فسببه تنامي الطلب على هذه السلع في الهند الصينية والأسواق الناشئة.
وكذلك الأمر بالنسبة لتدني الأجور الفعلية للعمالة غير الماهرة في الاقتصادات المتطورة، والخلل في التوازنات العالمية وما إلى ذلك من الظواهر التي يمكن أن تعزى جزئياً إلى بروز اقتصادات الأسواق الناشئة.
وأوضح شميت أن «الحصة الكبرى من إجمالي الناتج المحلي العالمي من الأسواق الناشئة، فإن القوة الاقتصادية تترافق مع قوة سياسية، بدأت تتجلى بشكل أوضح من خلال التأثير المتنامي للهند والصين على العلاقات الجغرافية ـ السياسية. وهكذا، فإن الحكم القديم للنظام العالمي، الذي كانت تقرره مجموعة الدول السبع المتطورة اقتصادياً، أصبح بائداً. وباتت مواجهة القضايا العالمية تتطلب مشاركة الصين والهند والبرازيل وروسيا وبقية اللاعبين الدوليين الأساسيين في مناقشة وصياغة السياسة الدولية».
وينطوي التغيير في مراكز القوى الاقتصادية والجغرافيا ـ السياسية على مزيد من التناقضات. فبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة الأميركية أكبر اقتصاد، ومن كونها القوة العظمى الوحيدة في العالم حالياً، إلا أن قواعد قوتها أخذت تنزلق نحو مفاهيم نسبية.
ففي حين كانت القوى والإمبراطوريات العظمى سابقاً، مثل الإمبراطورية البريطانية، دائنة ومقرضة (بمعنى أنها تدير فائضاً كبيراً من الحسابات الجارية)، نجد أن أميركا حالياً هي أكبر مدين على مستوى العالم وكذلك أكبر مقترض، إذ تدير عجزاً متزايداً للحسابات الجارية مدفوعاً بانحسار معدلات الادخار العائلي والحكومي (عجز الميزانية) والوطني. وتشير التقديرات إلى أن 70ـ 80% من خلل التوازن العالمي ناشئ عن عجز ميزانية الولايات المتحدة الأميركية.
من جهة أخرى أوضح رئيس كلية للعلوم الاقتصادية في جامعة نيويورك نورييل روبيني أنه «يبدو أن الممولين الرئيسيين للعجز الأميركي اليوم ليسوا حلفاء لأميركا، مثلما كان الحال عليه مع اليابان وأوروبا إبّان ثمانينات القرن الماضي، بل نجد أن ممولي هذا العجز اليوم هم منافسون استراتيجيون لأميركا، مثل الصين وروسيا وعدد من دول الشرق الأوسط، وشهد هؤلاء المنافسون وغيرهم من اقتصادات الأسواق الناشئة خلال السنوات الماضية نمواً استثنائياً أدى إلى تراكم احتياطيات هائلة من العملات الأجنبية والأصول بالدولار لديهم.
ولكن، لا بد من الاعتراف بأن اعتماد نهج التمويل الذاتي للمبيعات أو توازن الرعب المالي لا يسهم في تأمين الاستقرار. وهكذا، فإن الجهود الرامية إلى إعادة التوازن العالمي قد تنقلب إلى فوضى ما لم يتم التنسيق على أعلى المستويات بين الأطراف المعنية. وتعاني الولايات المتحدة الأميركية حالياً من هشاشة في الوضع وضبابية في الرؤية حول ما إذا كان الازدهار الذي يشهده قطاع السكن (العقارات) هناك سينتهي على نحو هادئ.
كما يتوقع غالبية المراقبين، أو أنه سيتوقف فجأة محدثاً صدمة تؤدي إلى انحسار معدلات النمو، أو حتى إلى توقف فوري للنمو، الأمر الذي يبدو بعيداً عن الحصول في الوقت الحاضر. وتساءل روبيني إذا عانت الولايات المتحدة الأميركية من تراجع في النمو، هل ستكون أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية بمنأى عن ذلك؟ وهل ما زال أي اهتزاز للأوضاع في الولايات المتحدة الأميركية تتصدع له بقية أنحاء العالم؟ أم ستكون هنالك إعادة توازن لقاطرة النمو العالمي بحيث يعوض نمو الطلب الآسيوي والأوروبي عن الضرر الحاصل؟
ويبدو أن التغيرات الدراماتيكية التي نشهدها لا تقتصر على تحديد هوية من سيقود عجلة النمو مستقبلاً، فقد باشر اليورو بتحدي المكانة التي يشغلها الدولار الأميركي حالياً بالنسبة لكونه العملة الرئيسية للاحتياطي في عالمنا اليوم، حيث هدد عدد من الدول صراحة بالتنويع والتحول إلى اليورو عوضاً عن الدولار، علماً بأن حجم العملة الأوروبية قيد التداول قد فاق بالفعل حجم الدولار، كما شهدت الأصول والالتزامات باليورو نمواً غير مسبوق.
ولكن في الوقت ذاته، يوحي بطء خطى قيام الاتحاد السياسي الأوروبي (الفشل في إقرار الإصلاحات الدستورية) وتباطؤ الإصلاحات الهيكلية هناك، إلى أن القوة المالية الكبيرة لليورو لا تواكبها قوة اقتصادية فعلية ولا نمو مستدام وسريع.وفي ظل تزايد المؤثرات السلبية الخارجية على العالم بأسره، مثل المشكلات البيئية التي تتجاوز آثارها حدود الدول؛ وانتشار الأوبئة المعدية.
وانتقال آثار الأزمات الاقتصادية بين الدول؛ والتسابق على الموارد الثمينة مثل النفط والطاقة، فإن الأمر يتطلب توفير وتمويل السلع العالمية الأساسية وقسطاً كبيراً من التعاون لحل هذه المشكلات. ومن الواضح، أن لامركزية السلطة ونشوء مجتمعات جديدة هما عاملان لهما آثار مباشرة في إدارة عملية التغيير في الاقتصاد العالمي. وفي هذه الأثناء، علينا الانتظار لنرى ما إذا كان قادة الأعمال وصناع القرار في العالم يعتزمون إجراء التعديلات اللازمة على المؤسسات وأطر العمل بما يكفل الحفاظ على النمو المستدام في البيئة العالمية الجديدة.
دافوس ـ «البيان»