في العاصمة المصرية، يوجد أحد أكثر المقاهي شهرة وتميزاً على الإطلاق، وهو «مقهى الأقزام». يوجد المقهى تحديداً في ضاحية مصر الجديدة، خصوصيته فريدة جداً وله طابع وطراز خاص، إذ يديره أقزام فقط، ولا يعمل فيه سواهم، وقد أصر صاحب المقهى الشهير، على أن يكون كل العاملين فيه من الأقزام، لأنهم ـ كما يقول ـ عامل جذب للزبائن، فضلاً عن مراعاته لظروفهم الإنسانية.
عندما تدخل المقهى لتناول الشاي الأخضر، أو لتدخين النرجيلة، سيقدمها لك الأقزام، الذين يتميزون بالذكاء والأدب في معاملة الزبائن، وهم وإن كانوا يديرون هذا المقهى، غير أنهم يحدثونك عن معاناتهم في المجتمع، ومشاكلهم في الحياة بصفة عامة، سواء في مصر أو في البلدان العربية، التي يقولون إن أي بلد عربي، لم يقدم لهم أي عون أو اهتمام. في مصر حسب إحصائية الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوجد 60 ألف قزم، وهم من تقل أطوالهم عن 155 سنتيمتراً. يقول محمود عبد السلام صاحب المقهى، إنه اقتبس الفكرة من زيارة له إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وبالتحديد في مدينة أبوظبي، واختمرت هذه الفكرة في ذهنه تماماً، وبخاصة أنها علي طريقة «ضرب عصفورين بحجر واحد»، فهؤلاء الأقزام هم أداة جذب كبيرة لرواد المقهى، وثانياً وهذا هو الأهم الجانب الإنساني الذي راعاه، وبخاصة أن الأقزام لا يشعر بهم أحد في الوطن العربي، ولا تتوفر لهم فرص العمل الكافية، وهذا ما يجعلهم ينعزلون عن المجتمع تماماً، ويشعرون بالغربة.
ويشير الى صعوبات كبيرة في إيجاد هؤلاء الأقزام، لأنهم شبه منعزلين. ويؤكد عبد السلام أن هؤلاء الأقزام الذين لا يكاد يشعر بمشاكلهم أحد يملكون العديد من الصفات، التي قد لا يملكها كثيرون، مثل الذكاء الفطري، وحبهم الرهيب للعمل وتفانيهم فيه وصدقهم وإخلاصهم، وتعاملهم مع العملاء بأدب جم، بالإضافة إلى أنهم لا يعرفون الخبث أو المكر أو الإهمال في العمل، ويتحلون بروح الدعابة والمرح، والقلوب الكبيرة الرحيمة التي يتمتعون بها.
ينهي عبد السلام كلامه مشيراً إلى أن هؤلاء يتحملون مسؤولية أسر بأكملها، والمقهى به ثمانية أقزام، يتناوبون على العمل طوال اليوم.
يقول محمد كرم عبدالله (21 عاماً)، وهو احد العاملين في «مقهى الأقزام»، ويحمل شهادة الدبلوم في الزخرفة، إنه يرى الإعجاب في عيون رواد المقهى له ولزملائه، و«كثيراً ما يطالبوننا باستقطاع أوقات من العمل للجلوس معهم، ولكننا نرفض ذلك تماماً، حرصاً على مصلحة العمل وعدم الإضرار به».
ويشير إلى أن عمله في هذا المقهى عمل إضافي بعد الظهر لأنه يعمل في شركة كبرى للسيارات، وما دفعه للعمل تحمله لمسؤولية أسرته، المكونة من 4 أشقاء، بالإضافة إلى والدته بعد أن توفى والده منذ فترة، لذا كان لزاماً عليه أن ينحت في الصخر، حتى يؤدي واجبه نحو أسرته على أكمل وجه.
ويرى أن الصعوبات التي يواجهها الأقزام في مصر تتمثل في المواصلات حيث إنهم يجدون صعوبة بالغة في ركوب المواصلات العامة، ويتمنى أن يتم تخصيص دراجات بخارية، لكل الأقزام في مصر والوطن العربي، على أن يتم تجهيز هذه الدراجات بما يتناسب مع طولهم.
يؤكد الحسيني كمال رمضان (21عاما)، أحد الأقزام العاملين في المقهى وهو طالب في كلية التجارة في جامعة القاهرة، أن هذا المشروع الذي فكر فيه محمود عبدالسلام ونفذه فعلياً «جعلنا نشعر أن الدنيا مازالت بخير، وأن هناك من يفكر في حالنا، وبخاصة مع وجود صعوبات نتعرض لها تتمثل في عدم إيجاد فرص عمل مناسبة».
ويضيف: أنه لا يشعر بفارق بينه وبين الأشخاص العاديين، وأنه يعيش حياة سعيدة للغاية، ولا ينقصه شيء على الإطلاق، بالإضافة إلى أنه يعيش قصة حب ملتهبة مع فتاة جامعية، وسوف تكلل هذه القصة بعقد القران قريباً، بعد أن بارك أهلها هذه الخطوة، وهذه الفتاة فتاة عادية، وليست من الأقزام، وتعرف عليها منذ فترة طويلة.
ويستطرد أنه يتمنى أن يصبح هذا المقهى بمثابة نقابة للأقزام في مصر، على أن يتم تعيين محمود عبد السلام صاحب المقهى كنقيب للأقزام. ويشير إلى أنه مهتم جداً بالثقافة، وكثيراً ما يقرأ مؤلفات وليم شكسبير، ويتمنى أن تخلو حياة المصريين من ثلاثة أشياء هي الروتين، و«فوت علينا بكرة» و«معلِش».
يقول الحسيني إن له 5 أشقاء لا يوجد بينهم إلا قزم واحد، أما والدهم ووالدتهم، فهما ليسا قزمين.
ويعرب محمد عن حزنه لحالة العزلة الشديدة، التي يعيشها الأقزام في مصر، نتيجة نظرة البعض بطريقة مزرية لهم، بالإضافة إلى أنهم لا يعملون لعدم توافر فرص عمل مناسبة لهم. ويتذكر محمد موقفاً طريفاً حدث له، «كنت مع محمود عبد السلام نتجول سوياً في أحد أحياء القاهرة، وفجأة رآني أحد الأشخاص، وأخذ يصرخ بهستيريا قائلاً: ابني.. كريم. واتجه ناحيتي.
وأكد للناس أنني ابنه الذي ضل الطريق إلى المنزل منذ 6 شهور، وصدقه البعض، وحاول إقناعي أن أذهب معه، فعندما أخرجت له بطاقتي الشخصية، تأكدوا أنني لست ابنه الضال، ويبدو أن هذا الرجل لم يكن في حالة طبيعية، أما محمود عبد السلام فلم يتدخل من قريب أو بعيد، لأنه ضحك بهستيريا مندهشاً لما حدث». ويشير محمد إلى أنه ارتبط منذ فترة قصيرة عاطفياً بفتاة طويلة جداً، وسوف يفصح لها عن شعوره في أقرب فرصة.
يقول محمد كامل الشهير ب«بلية» ويبلغ من العمر 22 عاماً، ويعتبر أطول الأقزام، انه تعرض لضعف في النمو، عندما كان طفلاً صغيراً، وأثر هذا بالطبع علي تكوينه الجسماني، ولكن أهله عرضوه على أكثر من طبيب، وبالفعل قام أحد الأطباء بحقنه بالهرمونات، حتى وصل طوله إلى 130 سنتمترا. ويضيف أنه كان يعمل مصففاً للشعر، وأجاد هذا العمل بإتقان شديد، ولكنه ترك هذه المهنة، لأنه كان يصفف شعر الأطفال فقط، ويمنعه قصر القامة من ممارسة مهنة التصفيف للأشخاص العاديين، بالإضافة لعمله في الفن، من خلال مسلسل «الزيني بركات» وحلقات مسلسل «سر الأرض».
القزم محمد سامي (24 عاماً)، يقول إن الأقزام في مصر والوطن العربي لا يجدون أدنى اهتمام، ويجب معاملتهم معاملة المعاقين على الأقل، من توفير فرص عمل، وتوفير مواصلات مجهزة لهم. وكشف النقاب عن خطبته لزميلته، أماني حمزة (26 عاماً) قزمة وهي تعمل معه في نفس المقهى.
وتؤكد أماني أنها وجدت في محمد ما لم تجده في العالم كله من حنان ومعاملة حسنة وحب، لذا فهي تتمنى أن تسعده طول العمر.