اهتز المشهد السياسي الإسرائيلي أمس على وقع الزلزال الذي كان متوقعاً حدوثه في إسرائيل منذ أشهر بإعلان رئيس الأركان الجنرال دان حالوتس استقالته بسبب مسؤوليته عن الإخفاقات في حرب الصيف الماضي على لبنان، ما فتح الأبواب على مصاريعها أمام الدعوات لاستقالة رئيس الوزراء إيهود أولمرت، الذي رأت مصادر قريبة منه أنه «تلقى ضربة شديدة وفقد من صلاحياته وقوته»، ووزير الدفاع عمير بيريتس، وعد بـ «مواصلة التهرب»، في موازاة دعوات لانتخابات مبكرة في حين يتوقع المراقبون تفجر مواجهة بين رأسي الحكومة على خلفية الترشيحات الجديدة لشغل المنصب الشاغر.
ويعتبر حالوتس ارفع مسؤول عسكري وسياسي يقدم استقالته منذ الحرب والضغوط التي مارسها الرأي العام لاستقالة المسؤولين، عن الهزائم التي مني بها الجيش الإسرائيلي أمام حزب الله، في وقت كلف مساعد رئيس الأركان الجنرال موشي كابلينسكي رئاسة الأركان بالوكالة إلى حين البت في اختيار رئيس أركان جديد يوم الحد المقبل ما يتوقع أن يحمل مواجهة جديدة بين أولمرت وبيريتس.
وبرر حالوتس استقالته، التي كشف النقاب عنها أمس رغم أنها موقعة بتاريخ 14 يناير الجاري، بالقول انه ينوي بذلك «تحمل مسؤولياته» وإنه قرر تقديم استقالته من منصبه بعد أن أنجز مهمته الحالية. وفي رسالة الاستقالة التي بعث بها إلى اولمرت وبيريتس، أكد على أن «مفهومه لمسؤوليته» دفعه إلى الاستقالة. وقال: «حققت الهدف الذي وضعته نصب عيني بعد انتهاء حرب لبنان الذي كان يقضي بدرس ثم استخلاص العبر مما حصل. واعتبر أن من واجبي في هذه الظروف أن أستقيل على الفور».
وبينما كان رئيس الأركان يقاوم الضغوط التي تمارس عليه بالقول إن الاستقالة ستشكل حلاً سهلا.. كشفت الإذاعة الإسرائيلية عن أن أولمرت إقناع رئيس الأركان بإرجاء استقالته في انتظار صدور النتائج التي ستتوصل إليها لجنة تحقيق حول إخفاقات الحرب في لبنان لكنه لم يفلح لأن حالوتس كان مصمما ما اضطر رئيس الوزراء إلى قبول هذه الاستقالة مع الإعراب عن أسفه للقرار.
ونقل مقربون من حالوتس إنه أطلع عمير بيريتس على عزمه الاستقالة وأن «بيريتس لم يحاول إقناعه بالبقاء في منصبه».وأمس نقل عن رئيس أركان الجيش المستقيل قوله خلال لقائه قيادة الأركان في مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية إنه لن يتسرع بمغادرة منصبه.
والتقى حالوتس صباحاً لمدة 20 دقيقة مع هيئة الأركان، وقال إنه سينقل المنصب لمن يخلفه بصورة منظمة، مضيفاً أنه درس خطواته مطولا وقرر أن تقديم الاستقالة هي الخطوة التي يتوجب عليه اتخاذها بعد انتهاء التحقيقات التي أجراها الجيش والتي زاد عددها عن الـ 50 تحقيقا. وقال إنه يعتمد على الضباط في هيئة الأركان ليصلحوا الوضع في الجيش وأن «يقودوا الجيش قدما».
وكان حالوتس أعلن في وقت سابق من الشهر الجاري أنه لن يستقيل إلا إذا أمره رؤساؤه بذلك رغم قبوله تحمل مسؤولية فشل الجيش في هذه الحرب التي أخفقت خلالها إسرائيل في تحقيق هدفيها الاستراتيجيين الظاهرين وهما تحرير الجنديين الإسرائيليين وهزيمة حزب الله.
في غضون ذلك، أعلنت لجنة التحقيق في الحرب برئاسة القاضي المتقاعد إلياهو فينوغراد أنها لن تغير مواعيد ظهور المسؤولين الإسرائيليين أمامها بعد استقالة حالوتس الذي سيظهر أمام اللجنة ليدلي بشهادة في الفترة المقبلة. ويتوقع أن تصدر لجنة التحقيق الرسمية نتائجها الأولية في فبراير المقبل حيث يتوقع أن تكون محرجة للقيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل. في وقت كان تحقيق داخلي صدرت نتائجه الشهر الماضي وقاده الميجور جنرال متقاعد عميرام ليفني خلص إلى أن قيادة الجيش فشلت على كافة المستويات خلال فترة المعارك.
وكان عشرات آلاف المتظاهرين ومنهم جنود في الاحتياط خدموا في لبنان، طالبوا منذ انتهاء المعارك بتشكيل لجنة تحقيق. وانتقد المتظاهرون خصوصا عدم جهوزية الوحدات النظامية والاحتياطيين الذين شاركوا في الحرب، والارتباك والأوامر المضادة التي كانت تصدرها القيادة، وعدم تحقيق الجيش أهدافه، ومنها تحطيم الآلة العسكرية لحزب الله والإفراج عن الجنديين الإسرائيليين.
في هذه الأثناء، ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن الوزير بيريتس سيطرح على الحكومة خلال جلستها الأسبوعية يوم الأحد المقبل مرشحه لرئاسة أركان الجيش، وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن المرشحين الأوفر حظا هم: نائب رئيس الأركان الميجور جنرال موشيه كابلينسكي، ومدير وزارة الدفاع الجنرال غابي أشكنازي وهو برتبة ميجور جنرال في الاحتياط، وقائد القوات البرية الإسرائيلية للميجور جنرال بيني جانتس.
وفي تداعيات هذا التطور السياسي والعسكري، طالب أعضاء كنيست رئيس الوزراء أولمرت ووزير حربه عمير بيريتس بالاستقالة مثلما فعل حالوتس. ودعا عضو الكنيست اوفير بينيس، المرشح لزعامة حزب العمل، بيريتس الى الاستقالة وكذلك رئيس الوزراء.
وقالت عضو الكنيست عن حزب «ميريتس» زهافا غالئون ان الفشل في لبنان لا يجب ان يتوقف على المستوى العسكري بل على المستوى السياسي أيضا والذين أخذوا على عاتقهم خوض الحرب عليهم الاستقالة والعودة الى البيت. ورأت أنه «لا توجد صلاحية أخلاقية لرئيس الوزراء ووزير الدفاع لتعيين رئيس الأركان المقبل»، وأضافت أنه «على المستوى السياسي الذي اتخذ قرارات تفتقر للمسؤولية بالخروج إلى الحرب أن ينصرف».
واعتبر عضو الكنيست داني ياتوم من حزب العمل أن «لحالوتس حقوق كثيرة لكن لم يتبق خيار أمامه سوى الاستقالة». كما نقلت الإذاعة عن عضو الكنيست إيفي ايتام من كتلة الاتحاد الوطني (المفدال) قوله إن «استقالة حالوتس هي ثمار فشل الحرب في لبنان وهي تعد تجسيدا لمبدأ تحمل المسؤولية الشخصية عن مثل هذا الفشل».
ومن جهته أعرب الوزير بنيامين بن إليعازر من حزب العمل عن أسفه لاستقالة حالوتس قائلا مع ذلك إنه «يحترم قرار رئيس الأركان ويكن له التقدير».وانضم رئيس كتلة الليكود البرلمانية جدعون سعار إلى الداعين لاستقالة اولمرت وبيريتس، وقال إنه «ليس هناك معنى لتحميل رئيس الأركان المسؤولية كاملة بينما المسؤولون عنه على المستوى السياسي يفلتون».
وقال عضو الكنيست يسرائيل كاتس من الليكود للإذاعة الإسرائيلية إن «استقالة رئيس أركان الجيش تؤكد بشكل رسمي فشل حرب لبنان الأمر الذي يلزم رئيس الوزراء ووزير الدفاع بالاستقالة»، وطالب بـ «تشكيل حكومة طوارئ صهيونية وإجراء انتخابات عامة بعد نصف سنة».
يشار إلى أن إيهود أولمرت يمر بدوره في أسوأ حالاته بعد طلب الشرطة الإسرائيلية التحقيق معه لعلاقته ببنك «ليئومى» واصدر قرار خصخصته لصالح احد أصدقائه.
في هذه الأجواء، أوضح مقربون من بيريتس أن تعيين خلف لحالوتس في رئاسة أركان الجيش سيؤدي إلى أزمة سياسية بين أولمرت وبيريتس «لا محالة، وسيرفض أولمرت أسماء مرشحين سيقدمهم بيريتس».
ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن وزير إسرائيلي وصفته بالرفيع المستوى قوله إن أولمرت «تلقى ضربة شديدة وفقد من صلاحياته وقوته» في أعقاب التحقيقات ضده واستقالة حالوتس.وقال الوزير ذاته إنه «في الوضع الموجود فيه أولمرت فإنه لن يتمكن من قيادة خطوات وقد تم حسم الأمر».
وبدت ردود الفعل في الحلبة السياسية الإسرائيلية كأنها تبكر موعد الانتخابات العامة في إسرائيل وأشار أعضاء كنيست خصوصاً من كتل المعارضة إلى فشل القيادة السياسية في حرب لبنان، إضافة إلى فتح التحقيق الجنائي ضد أولمرت.