«الكفل » مدينة عراقية حالمة على نهر الفرات، شمال النجف وجنوب الحلة، وتعيش في طيات البساتين منذ آلاف السنين. من التاريخ والسحر البابلي.. ولا تفارق نخيلها المتألق على ضفاف النهر طراوة أرياف الفرات.
حملت الكفل هذا الاسم لوجود مرقد النبي ذي الكفل عليه السلام، الذي ورد ذكره في القرآن الكريم فيها، حيث تؤكد مصادر تاريخية أن ذا الكفل، هو بشر بن أيوب، بعثه الله نبياً للناس وأمره بالدعوة إلى التوحيد، حيث كان مقيما في بلاد الشام، وتوفي عن عمر يناهز التسعين، وكانت نبوته بعد النبي سليمان الذي كان يقضي بقضاء الله وبأحكام النبي داوود.
وقيل: انه «تكفل بني قومه وقضى بينهم بالحق والقسط والعدل»، كما قيل انه بعث قبل النبي عيسى وكفل سبعين نبياً ونجاهم من العذاب الأليم، ولكن علياً بن أبي طالب «كرم الله وجهه»، قال «هذا قبر يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم بن أبي بكر بن يعقوب، وهو الذي أشار على إخوة يوسف الصديق أن يلقوا يوسف في غيابة الجب»، وذلك بعد أن أراد الأخوة الحاسدون قتله.
وفي الكفل ـ حسب روايات أخرى ـ مدفن النبي حزقيال، المسمى بـ ذي الكفل، وعليه مَيل يماثل مَيل زمردة خاتون والشيخ عمر السهروردي في بغداد، ويتصل بالقبر من جهته الغربية جامع فيه منبر ومحراب ومنارة.
وكانت الكفل تعرف قديما باسم (قرية بئر ملاحة)، والزائر لهذه المدينة أول ما ينجذب نظره إلى قبة ومنارتين شامختين تدلان بنحو واضح على اختلاف الزمن فيما بينهما. فالمئذنة الأولى تؤكد عمارتها وطرازها أن بناءها يعود إلى زمن السلاجقة، وهي على غرار مئذنة وقبة (ست زبيدة)، زوجة هارون الرشيد في بغداد، وهي بارتفاع 54 متراً، ومبنية بالطابوق والجص والنورة. أما المئذنة الثانية فيعود زمنها إلى الدولة البويهية، حيث تبدو عليها رسومات ونقوش على الطراز الكوفي القديم، وهي بسعة ثلاثين متراً وارتفاع عشرين متراً، مبنية من الطابوق والجص والنورة أيضا، وفي داخلها سلّم لولبي يوصل إلى أعلى المئذنة وحوضها، أما قبة المرقد فهي بمساحة ثلاثين متراً مربعاً وبارتفاع عشرين متراً.
عند التجوال في أرجاء المرقد.. نشاهد أربعة مراقد متراصفة تعود إلى أصحاب النبي ذي الكفل، وهي بارتفاع متر وطول متر واحد تقريباً، وهذه المراقد تعود ليوشع ويوحنا الدملجي وخون ناقل التوراة وباروخ.. وقبالة هذه القبور هناك غرفة صغيرة بمساحة تسعة أمتار مربعة يقال انها مقام نبي الله الخضر، حيث تظهر في الغرفة نقوش إسلامية باللون الأحمر.
وقال مهدي كاظم هاتف الذرب المسؤول عن إدارة هذا الموقع التاريخي المهم، والذي اخذ سدانة المكان من عائلته بالوراثة «أنا مسؤول عن خدمة المرقد فقط، وقد توارثنا أنا وعائلتي خدمة هذا المكان المقدس من أجدادنا.. ومن الملاحظ أن الموقع أصبح أطلالا، بالرغم من وجود مبان قديمة من بينها المنارة البويهية والقبة السلجوقية وكل تلك الأروقة والأسواق القديمة المستغلة حاليا من قبل عقارات الدولة، ولا ينفق منها شيء لصيانة الموقع».
وأشار إلى «أن عمر هذا المبنى يزيد على 1300 عام.. ومنذ عهد وزارة ياسين الهاشمي في ثلاثينات القرن الماضي، حيث جرت عليه بعض الترميمات الجزئية، والى يومنا هذا ليس هناك من عمل مدروس لصيانة الموقع بأكمله وما يجري للمرقد من صيانة مجرد طلاء».
وناشد الذرب الجهات ذات العلاقة في الحكومة، ومن بينها وزارة الثقافة ودائرة الآثار والتراث وهيئة الوقف الشيعي «تشكيل لجنة صيانة وترميم للموقع، لأنه موقع ديني وحضاري وسياحي، يقع في بقعة من أجمل البقاع في بلاد الرافدين، اذ هو يغفو على ضفاف نهر الفرات.. ومن الممكن أن يكون مكانا سياحيا وأثريا مميزا لجميع المهتمين في مجال الآثار والتراث، ولأجل إبرازه بالشكل الحضاري الذي يليق بالعراق، ومن ثم لاستغلاله في تنشيط حركة السياحة الدينية، وذلك يعد مكسبا يضاف لإيرادات هذا البلد الغني بثرواته وتاريخه الإنساني».
وحول أهمية المدينة من وجهة نظر أهلها.. قال المواطن جبار عيسى حمود(مزارع) «الكفل مدينة فراتية هادئة فيها خيرات كثيرة، وتعد من أخصب الأراضي للزراعة، وتنتج غلات مختلفة متنوعة شتاء وصيفا، وذلك يعود لسببين: أرضها الطينية الخصبة وقربها من ماء نهر الفرات».
وأضاف «أهلنا كانوا يقولون لنا إن اليهود والمسلمين سكنوا في هذه المدينة بسلام، وكانت لكلا الطرفين مراقد وأماكن مقدسة، وبعد خروج اليهود من العراق في أواخر أربعينات القرن الماضي، لم يعد احد منهم يزور المدينة، لكن أحدا من أبناء المدينة لم يعتدِ على أي مقدس لليهود، لأننا كمسلمين نرى أن نبيهم واجب الاحترام والتبجيل من قبلنا وهذا ما أمرنا به الإسلام ونبيّه».
ولم يخف مواطن آخر هو عباس كريم محمد استياءه من إهمال المدينة بسبب قلة الاهتمام من المسؤولين الجدد بعد 2003.
وتمنى لمدينته أن تكون مَعلما سياحيا واقتصاديا وتاريخيا يعيد الحياة الى هذه المدينة الوادعة.
وتعمر مدينة الكفل بالأرياف الجميلة وبمزارع النخيل الباسقة، ويزرع فيها صيفا محصول الأرز وفي الشتاء محصول الحنطة والشعير وغيرها من الغلات الزراعية، لكن المدينة لا تحظى بشيء من الاهتمام، حيث لا يوجد مرشدون سياحيون لهذا المعلم التاريخي، خصوصا وان العراق بعد التغيير صارت له وزارة للسياحة والآثار، حيث يبقى التعريف بالشواهد التاريخية حكرا على فئات من أهل المدينة تكاد تلصق الرواية بالخرافة.