أخيرا، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش فجر أمس، عن استراتيجيته الجديدة في العراق التي طال انتظارها، وأمر في هذا الإطار بإرسال عشرين ألف جندي أميركي إضافيين واعترف بأن أخطاء حدثت في هذا البلد، محذرا القادة العراقيين من أنهم سيخسرون الدعم الأميركي إذا فشلوا في تطويق العنف، وتعهد بوقف كل دعم يأتي من سوريا وإيران إلى المتمردين العراقيين، وأعلن عن نشر صواريخ مضادة للصواريخ في المنطقة لطمأنة حلفاء واشنطن ودعم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وفي خطاب متلفز ألقاه من البيت الأبيض قال بوش في خطابه «حشدت أكثر من عشرين ألف جندي أميركي إضافي للعراق». وقال مساعدوه إن الخطة تدعو إلى نشر 17500 جندي للمساعدة على إحلال الأمن في بغداد وأربعة آلاف من عناصر مشاة البحرية الأميركية لمطاردة عناصر القاعدة في محافظة الأنبار.
إلا أن الرئيس الأميركي حذر من انه «حتى إذا طبقت الاستراتيجية الجديدة كما خطط لها، ستستمر أعمال العنف القاتلة». كما توقع بان تكون هذه السنة «دموية وعنيفة».وقال «علينا أن نتوقع مزيدا من الخسائر العراقية والأميركية» في هذا البلد، حيث قتل أكثر من ثلاثة آلاف جندي أميركي منذ الغزو في مارس 2003.
ولم يكشف بوش مدة الانتشار الأميركي، لكنه رفض بشكل واضح طلب الديمقراطيين انسحابا خلال أربعة إلى ستة أشهر. وقال إن ذلك «سيؤدي إلى انهيار الحكومة العراقية وتمزيق البلاد وتفجير مجزرة لا يمكن تصور أبعادها». وحذر بوش «إذا لم تنفذ الحكومة العراقية وعودها في مكافحة العنف المذهبي فانها ستخسر دعم الشعب الأميركي ودعم الشعب العراقي».
كما تحدث في الكلمة التي كشف خلالها خطة تبلغ قيمتها 8 ,6 مليارات دولار للحد من الفوضى في العراق، عن مزيد من التضحيات وعن دموي، مؤكدا على ان الاجراءات الأميركية لن توقف فورا القتل والعمليات الانتحارية. وقال الرئيس الأميركي إن «الوضع في العراق غير مقبول من الشعب الأميركي وغير مقبول مني».
وتحدث بوش صراحة عن أخطاء وسوء تقدير من قبل إدارته والحكومة العراقية، مما أدى إلى هذه الفوضى، التي تعصف بالبلاد وتقويض تأييد الشعب الأميركي للحرب. وقال من البيت الأبيض في خطاب متلفز انتظره الكثيرون «أينما وجدت أخطاء تقع المسؤولية على كاهلي».
وينظر لخطة بوش على نطاق واسع باعتبارها فرصته الحقيقية الأخيرة للنجاح في العراق وتحسين التأييد الشعبي للحرب، التي راح ضحيتها أكثر من 3 آلاف جندي أميركي، وبلغت كلفتها أكثر من 430 مليار دولار.
وحذر الرئيس الأميركي أيضا العراقيين بأشد العبارات، من أن التزام أميركا لن يكون لأجل غير مسمى. وأشار إلى أن الجيش الأميركي والقوات العراقية لم يتمكنا من توفير الأمن في بغداد، نظرا لفرض الحكومة العراقية قيودا عليهما، مضيفا أن القواعد الجديدة ستطلق يد الأميركيين والعراقيين. وأوضح أن «في العمليات السابقة حال التدخل السياسي والطائفي دون دخول القوات العراقية والأميركية إلى المناطق التي تأوي أولئك الذين يؤججون العنف الطائفي..هذه المرة سيكون لدى القوات العراقية والأميركية الضوء الأخضر لدخول تلك المناطق». وابلغ بوش الأميركيين القلقين من الحرب في العراق، بان القادة العراقيين سيتولون المسؤولية الأمنية في كل المحافظات العراقية في نوفمبر المقبل.
وفي اعتراف نادر بالفشل، أشار بوش إلى الجهود السابقة لضمان امن بغداد، وقال انه لم يتم نشر قوات أميركية وعراقية كافية. وأكد البيت الأبيض على أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وعد بتعزيز القوات العراقية في بغداد ب12 ألف جندي، وأوضح أن كل المجموعات المسلحة الخارجة عن السلطة ستلاحق.
وقال بوش إن «قادتنا العسكريين درسوا الخطة العراقية الجديدة لمعالجة هذه الأخطاء وقالوا انها تؤدي إلى النتيجة (المرجوة). كما قالوا ان هذه الخطة يمكن ان تعمل».
وبشأن الدول المجاورة للعراق، اتهم بوش سوريا وإيران «بالسماح للارهابيين والمتمردين باستخدام أراضيهما للتنقل حرك داخل العراق وخارجه». كما اتهم طهران بتقديم دعم مادي لمنفذي الهجمات التي تستهدف القوات الأميركية في العراق. وقال «سنوقف الهجمات على قواتنا وسنوقف تدفق الدعم من سوريا وإيران وسنبحث عن الشبكات التي تقدم الأسلحة المتطورة وتدرب اعداءنا في العراق، وندمرها».
من جهة أخرى، أعلن بوش عن أن الولايات المتحدة ستنشر صواريخ باتريوت مضادة للصواريخ «لطمأنة اصدقاء وحلفاء واشنطن في الشرق الاوسط والأدنى». ومن اجل «حماية المصالح الأميركية» في المنطقة. وكما وعد بنشر وحدة جوية بحرية اضافية و«بتوسيع التعاون في مجال الاستخبارات ونشر انظمة الدفاع الجوية باتريوت لطمأنة أصدقائنا وشركائنا».
ولم يذكر بوش الدول التي ستنشر فيها هذه البطاريات، التي استخدمت للمرة الأولى خلال حرب الخليج في 1991 من اجل حماية السعودية واسرائيل من صواريخ سكود العراقية. واكتفى بالقول انه يعتزم العمل مع حكومتي تركيا والعراق لمساعدتهما على «تسوية المشاكل على طول حدودهما» المشتركة. وأضاف «نعمل مع آخرين لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي والهيمنة على المنطقة».
وأكد بوش على أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ستتوجه الجمعة إلى الشرق الأوسط للبحث في تسوية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والضغط على الدول المجاورة للعراق من اجل المساعدة في وقف الفوضى.
وقال إن «دولا مثل السعودية ومصر والأردن ودول الخليج يجب ان تدرك ان هزيمة أميركية في العراق ستخلق بؤرة جديدة للمتطرفين وتهديدا استراتيجيا لبقائها». وتابع إن «من مصلحة هذه الدول وجود عراق يعيش بسلام مع جيرانه وعليهم تقديم مزيد من الدعم لحكومة الوحدة الوطنية العراقية».
وبعدما وصف تحدي إحلال السلام في الشرق الأوسط بأنه «معركة عقائدية حاسمة في عصرنا»، شبه بوش ذلك بالصراع بين «الذين يؤمنون بالحرية والاعتدال (...) والمتطرفين الذين يقتلون الأبرياء وأعلنوا عزمهم على تدمير طريقتنا في العيش». ورأى أن «ملايين الناس العاديين من افغانستان إلى لبنان والأراضي الفلسطينية ملوا من العنف ويريدون مستقبلا سلميا وفرصا لابنائهم»، مشددا على الطابع «النموذجي» للعراق في هذا المجال.
وقال بوش «انهم ينظرون إلى العراق ويريدون أن يعرفوا ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب وتترك مستقبل هذا البلد للمتطرفين أو ما اذا كنا سنبقى إلى جانب العراقيين الذين اختاروا الحرية». وأخيرا، أكد الرئيس الأميركي على انه يريد العمل بشكل وثيق مع «الكونغرس» الجديد الذي يهيمن عليه الديمقراطيون «لكسب الحرب على الارهاب»، واقترح تشكيل مجموعة عمل مختلطة جديدة. وقال «سنشكل مجموعة عمل جديدة (تضم أعضاء) جمهوريين وديمقراطيين لتساعدنا على تجاوز الانقسامات الحزبية من اجل كسب الحرب ضد الإرهاب»، موضحا أن «هذه المجموعة ستعقد لقاءات معي باستمرار ومع أعضاء في ادارتي وستسمح لنا بتعزيز علاقاتنا مع الكونغرس». ولم يكشف تفاصيل عن حجم هذه المجموعة أو وتيرة اجتماعاتها.
التدابير الأساسية لاستراتيجية بوش
فيما يأتي التدابير الأساسية للاستراتيجية الأميركية الجديدة للعراق التي أعلنها الرئيس جورج بوش أول من أمس، كما جاء في مقتطفات بثها البيت الأبيض:
ـ تعزيز القوات الأميركية المنتشرة في العراق بإرسال 21500 جندي إضافي على مراحل. وسيرسل منهم 17500 جندي إلى بغداد وأربعة آلاف من المارينز إلى محافظة الأنبار. وستنتشر ثلاثة ألوية إضافية من الجيش العراقي في العاصمة العراقية وستبدل القيادة العسكرية في بغداد. والغاية من إرسال هؤلاء الجنود الإضافيين تعزيز الـ 132 ألف جندي أميركي ينتشرون في الوقت الراهن في العراق، لخفض العنف بين الطوائف وبسط الأمن في بغداد وتثبيت الاستقرار في البلاد.
ـ حماية الشعب العراقي. ستقدم مساعدة لحماية الشعب العراقي. وتنص الخطة على أن تتولى القوات العراقية السيطرة التامة على العراق في موعد أقصاه نوفمبر.
ـ التكلفة الإجمالية للخطة الجديدة هي 8 ,6 مليارات دولار، منها مليار دولار مساعدة اقتصادية و6,5 مليارات لإرسال قوات إضافية.
والمساعدة التي تبلغ قيمتها مليار دولار مخصصة لإعادة الاعمار والتنمية الاقتصادية، ومنها برامج لاستحداث فرص عمل في بغداد والانبار وزيادة عدد فرق إعادة الاعمار. وسيخصص العراق 10 مليارات دولار لإعادة الإعمار. ومنذ حوالي الأربع سنوات، أنفقت الولايات المتحدة حتى الآن أكثر من 350 مليار دولار للحرب في العراق.
ـ أهداف محددة للحكومة العراقية.
وترمي هذه الأهداف على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية إلى بسط الاستقرار في البلاد. وحذر الرئيس بوش الحكومة العراقية من انها قد تخسر «دعم الشعب الأميركي» إذا لم تتخذ مزيدا من الخطوات لوقف أعمال العنف في البلاد. وسيزيد رئيس الوزراء نوري المالكي مشاركة السنة في العملية السياسية، ويعد لقانون تأخر كثيرا حول توزيع العائدات النفطية وتخفيف السياسة الحكومية حيال قدامى أعضاء حزب البعث.
ـ إيران وسوريا.
ستكثف القوات الأميركية «جهودها لمكافحة النفوذ الإيراني والسوري في داخل العراق». وتأخذ الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على سوريا وإيران مساهمتهما في زعزعة الاستقرار في العراق. وخلافا لتوصيات المجموعة حول العراق، يبدو أن الإدارة الأميركية ليست منفتحة على الحوار مع عدويها هذين اللذين تتهمهما بزعزعة الاستقرار في العراق. (ا ف ب)
خريطة الوجود العسكري الأميركي
تنتشر القوات الأميركية في العراق منذ حوالي 4 سنوات حيث حاربت لفترة أطول مما فعلت خلال الحرب العالمية الثانية حين قتل 405 آلاف و399 جنديا أميركيا بين 1941 و 1945:
ـ العدد الإجمالي للجنود الأميركيين: 132 ألفا وأعلن الرئيس الأميركي جورج بوش إرسال 21500 إضافيين.
ـ عدد الجنود الآخرين في التحالف : 16 ألفا من 27 بلدا
ـ عدد الألوية القتالية الأميركية : 15
ـ عدد المستشارين أو المدربين العسكريين: بين أربعة وخمسة آلاف
ـ الحد الأقصى الذي بلغته القوات الأميركية: 160 ألفا في يناير 2005
ـ عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق: أكثر من ثلاثة آلاف.
ـ عدد الجنود الذين أصيبوا في المعارك: حوالي 22 ألفا و800 عنصر.
ـ الكلفة الشهرية للحرب: 4 ,8 مليارات دولار. والكلفة الإجمالية منذ اجتياح العراق في 20 مارس 2003 بلغت 350 مليار دولار.
وتقدر قيمة الخطة التي أعلنها الرئيس بوش ليل الأربعاء الخميس بـ 8 ,6 مليارات دولار.
ـ عدد القتلى العراقيين: التقديرات تتراوح بين 50 ألفا و650 ألفا. وزارة الصحة العراقية تقدر أن 150 ألف عراقي قتلوا منذ 2003.
ـ القوات العراقية: 323 ألف عنصر.
ـ الجيش العراقي: 134 ألفا و700 عنصر.
ـ وزارة الداخلية العراقية: 188 ألفا و300 عنصر. (وكالات)