يسعى الخطاب الأكثري في لبنان إلى التدليل على حسنات مؤتمر الدول المانحة في «باريس 3» الذي سينعقد في 25 الجاري، ويتطلع قسم من اللبنانيين إلى المؤتمر على أنه ورقة الخلاص الأخيرة مع الكثير من التهويل والدعاية السياسية بالذهاب في حال تعثر المؤتمر إلى المجهول، فيما ترى فيه المعارضة فرصة ينبغي أن لا تضيع في البازارات السياسية وهي تحتاج إلى توافق سياسي وظروف مختلفة وأشخاص آخرين غير أولئك الذين أغرقوا البلاد في الديون جراء النهج السياسي والاقتصادي المتبع منذ سنوات طويلة حتى يتأمن له النجاح ولكي لا يتكرر في «باريس 3» ما جرى في «باريس 2».

مهندس أوراق المؤتمرات الباريسية الثلاثة أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية وعضو كتلة تيار المستقبل النائب غازي يوسف تحدث لـ «البيان» عن وجهة نظر الحكومة حول المؤتمر المقبل والورقة الإصلاحية المقدمة إلى المؤتمر فأكد على أن الهدف الأساسي من المؤتمر هو التصدي للدين العام، وأن المساعدات المفترضة من الدول المانحة هي لاستبدال الدين الحالي بفوائد أقل ومن دون شروط سياسية تضع لبنان تحت السيطرة الدولية كما تروج المعارضة وهذا أمر بعيد جدا عن الواقع. وقال إن هذه المساعدات تأتي لتريح الخزينة ونحن نتوقع أن يحصل لبنان على ضعف المساعدات التي حصل عليها من «باريس 2» أي نحو خمسة مليارات دولار أضف إليها خمسة مليارات أخرى من خصخصة قطاعي الكهرباء والهاتف ما يعني حصولنا على 10 مليارات ستحدث خرقا حقيقيا ما يعني أن الدين العام سينخفض إلى 30 ملياراً لينخفض بعدها من خلال المشاريع المنتجة تدريجيا.

وشدد على أن «الورقة المقدمة إلى المؤتمر ليست فقط إصلاحية وإنما ضرورية لخلاص لبنان وإلا نحن ذاهبون إلى الهاوية، وسنحصل بموجبها على مساعدات وهبات غير مخصصة لإقامة مشاريع جديدة بل للقيام بالمشاريع الحياتية الضرورية لدفع البلاد نحو التقدم في ظل الانكماش الحاصل»، موضحاً أن المعارضة وافقت على عقد «باريس 3» وعلى الورقة الإصلاحية، «وقد طلب منا رئيس مجلس النواب نبيه بري قبل الأزمة الحكومية واستقالة الوزراء الاستعداد لدراسة القوانين المسهلة تحضيرا لـ «باريس 3».

وأشار يوسف إلى أن الورقة الإصلاحية تقسم إلى أربعة محاور تتضمن سلة إجراءات في مقدمها المالية العامة وترشيد الإنفاق والحد منه مما يزيد من مداخيل الدولة لا سيما لجهة الإجراءات الضريبية المقترحة المؤجلة التي ستتطبق منتصف العام 2008 وليس في أوله.

وإذا استعرضنا الضريبة الحالية وهي 10 في المئة التي يعود منها إلى الدولة مليار و300 ألف دولار سنويا يتبين لنا أن زيادة 2 في المئة سيعود منها على الدولة 250 مليون دولار سنويا بما يعادل مليار دولار على فترة الأربع سنوات المقبلة وليس عشرة مليارات كما يسوق المعارضون للورقة لإخافة الناس، مؤكدا أن كل الدراسات تشير إلى أن 60 في المئة من السلع لا تخضع للضريبة المضافة فهي ضريبة على الخدمات تعفى منها المشروبات والمأكولات وقطاعات الصحة والمدارس أي أنها لا تصيب ذوي الدخل المحدود وأن زيادتها لا تستهدف هذه الفئة بل الفئات التي لديها دخل أعلى والقادرة على تكبدها، لافتا إلى أن هذا الإجراء سيزيد من مداخيل الدولة على أن تتصاعد الضريبة تدريجيا لتصل إلى 15 في المئة مع حلول العام 2010.

وحتى ذلك اليوم يخلق الله ما لا تعلمون، لافتا إلى أن الإصلاحات ستطال أيضا زيادة الضريبة من 5 إلى 7 في المئة على اقتطاع أرباح الفوائد، وهناك بند يتعلق بالتعاقد الوظيفي الذي أقر بالتوافق مع الوزراء الموجودين حينها وأيضا تحرير أسعار المحروقات تدريجيا وخصخصة قطاع الكهرباء التي وافق عليها الوزير التابع للمعارضة محمد فنيش لتخفيف الخسائر المترتبة على الدولة جراء سوء الإدارة والإفلاس في قطاع الطاقة، وقال إن هذا القطاع كلف الدولة 10مليارات دولار على مدى الأعوام الماضية وبمعدل مليار كل سنة.

ويقول: «قررنا خصخصته لوقف النزف الحاصل فلا أحد يريد إصلاحه بل ممنوع إصلاحه لإبقاء أبواب السرقة مفتوحة فرئيس الجمهورية يفرض حظرا منذ سنوات على مجلس إدارة كهرباء لبنان ولا إدارة مالية فيه ولا رقابة حتى شراء النفط والمناقصات تخضع للمافيات والمحسوبيات التي لم يستطع الرئيس الشهيد رفيق الحريري فتح الأبواب عليها ومجابهتها جراء تدخل المخابرات السورية وغيرها عدا عن عرقلة أي إتفاقيات مع دول عربية أخرى لمدنا بالغاز لتوليد الطاقة، لذلك فإن خصخصة هذا القطاع ضرورية وهي جزء من الورقة الإصلاحية لإطلاق وتحرير بعض القطاعات».

وكذلك الأمر بالنسبة للهاتف حيث تراجع لبنان من المرتبة الثانية في قطاع الاتصالات عام 1996 إلى المرتبة الـ 13 بين الدول جراء انعدام الخدمات المتطورة ولأن الدولة هي الجهة التي تمسكه، لافتا إلى أن «هذين القطاعين فقط هما المطروحان للخصخصة أما قطاع الضمان الصحي فما طرحناه في الورقة هو إصلاحه وليس خصخصته بمعنى إيجاد نظام للتقاعد الشيخوخة يكون له مجلس إدارة مستقل ومتطور». وأكد على تضمين الورقة محورا يتعلق بالشق الاجتماعي بما سمي إنشاء مجلس للأمان الاجتماعي مؤلف من وزراء يدرسون الطرق المثلى لمساعدة المؤسسات المدنية والأهلية التربوية والصحية وغيرها وكلها خضعت للدراسات، لافتا إلى أن الورقة المقدمة إلى المؤتمر ليست ورقة قطاعية بل تتحدث عن الخطوط العريضة يقابلها ورقة أخرى لدى الحكومة تفصيلية ثانية تطال مختلف القطاعات ستنشر خلال الأيام المقبلة «ما يؤكد أننا أخذنا في الحسبان شبكة الأمان الاجتماعية التي تتهمنا المعارضة بتجاهلها».

وقال يوسف إن مؤتمر «باريس 3» سينجح «لأن دعما لا محدودا يتوفر له، ولأنه يقدم برنامجا واقعيا يدعو إلى الإصلاح ولأنه يتضمن إجراءات عديدة منها ما هو غير مؤلم كالضرائب المؤجلة والمسهلة التي نالت موافقة البنك الدولي الذي أقر لأول مرة بصوابية إجراءاتنا»، مؤكدا على أن أهم ما في باريس 3 هو الدعم اللامحدود «وهذه فرصة سانحة قد لا تتكرر وهي تأتي من قبل دول تريد مساعدتنا لتخطي آثار الحرب التي كلفت الدولة ستة مليارات دولار في شهر واحد».

من جانبه قال المحلل الاقتصادي ورئيس تحرير مجلة الاقتصاد والاعمار الخبير حسن مقلد أكد أن «باريس 3» امتداد للسياسة نفسها وللنهج الاقتصادي القديم المستمر منذ 15 عاما والذي أوصلنا إلى هذا الوضع المأزوم والخطير، وقال لقد أضافوا رتوشا تجميلية على الورقة المقترحة اضطروا إلى إدخالها نتيجة ضغوط المؤسسات الاقتصادية الدولية، وأكد على أن المطلوب ليس مؤتمرا اقتصاديا وإنما برنامج اقتصادي يعيد الاعتبار للقطاعات المنتجة ويضع ضوابط للإنفاق ويقدم معالجات جدية وجذرية كلها متاحة شرط فصل الإدارة عن السياسة.

وأكد على أن هناك فرقا بين باريس 2 و3 فالأول خلق مناخا إيجابيا جراء جملة معطيات من بينها استدانة أربعة مليارات بفائدة صفر من البنوك المحلية، والمساعدات المقدمة من فرنسا والسعودية إضافة إلى إعادة هيكلية مالية وفرت على الدولة اللبنانية حوالي مليارين و500 ملون، مما خفض معدل الفوائد الدائنة والمدينة، بينما الهدف كان من باريس 3 هو إعادة هيكلة اقتصادية وهذا لم يحصل بل ستتوفر كتلة نقدية لا نعرف إذا ما ستكون بفوائد قليلة أو ستأتي على شكل قروض أو أشكال أخرى.

بيروت ـ ثناء عطوي