شارع حيفا، في العاصمة العراقية بغداد، ليس وحده من المناطق الساخنة فحسب، بل الأكثر سخونة، ولكنه اشتهر لضراوة المعارك التي وقعت وتقع فيه، خاصة وهو في قلب كرخ بغداد، ولا يبعد كثيرا عن المنطقة الخضراء، التي أصبحت تسمى «المنطقة الدولية»، والتي تضم سفارتي الولايات المتحدة وبريطانيا، إضافة إلى مقرات الرئاسة والحكومة ومجلس النواب والعديد من أهم مؤسسات الدولة العراقية.

وشارع حيفا، الذي يبدو انيقاً، محاطاً بالكثير من المحلات الشعبية، وتتشعب منه شوارع وأزقة لا تستطيع المركبات دخولها، مما يجعل تنقل الجماعات المسلحة يسيرا جدا، بل حتى بامكانها استخدام الأبنية العالية في الشارع مواقع للقنص..

ولكن.. لماذا شارع حيفا..؟، وكيف ارتبط جغرافيا وتاريخيا وحاضرا بالفلوجة وتكريت والانبار ومدن غربي العراق الاخرى..؟

الإجابة قد تكون بسيطة، وقد تكون متماثلة مع وضع مدينة الثورة «الصدر»، وارتباطها بالعمارة ومدن جنوب وجنوب شرقي العراق.. لان حركة النزوح إلى بغداد منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي، اتخذت مسار القرب الجغرافي، ومن ثم أصبح المسار ارثا وواقعا.. اجتماعيا وسياسيا.

ولقرب منطقة غربي العراق من سوريا، وبحكم تأثيرات التوجهات القومية، ابّان المد الناصري والوحدة بين مصر وسوريا، فان التاريخ المعاصر يسجل لمناطق غربي العراق توجهات قومية في الغالب، لا سيما وان هناك علاقات قربى ومصاهرة على جانبي الحدود العراقية السورية، ثم يأتي في هذا المجال القرب الجغرافي من فلسطين وانفتاح الجبهة الأردنية للمقاتلين العراقيين، من خلال غرب العراق، للتوجه إلى جبهات المقاومة.. أي ان التوجه الغالب لأهالي غرب العراق، لم يكن أصوليا إسلاميا، بل كان توجها قوميا قتاليا.. الأمر الذي انعكس على مناطق غربي بغداد، التي شهدت في أواخر الخمسينات وبدايات الستينات تحالفات مع التوجهات الإسلامية ضد حكم عبد الكريم قاسم..

ومنذ بدايات النزوح إلى بغداد، كان هناك تخندق مدائني، إضافة إلى التخندق المناطقي، فنجد محلات في كرخ بغداد القديمة تحمل أسماء مدن غربي العراق كالتكارتة (تكريت) والدوريين (الدور) وغيرها.. التي حملت معها تقاليد وعادات وتوجهات المدن التي قدم منها أهالي كرخ بغداد القديمة.. وهنا يكمن الربط بين شارع حيفا وبين الفلوجة وتكريت والانبار.

يقول الباحث والصحافي سلام عبد الله : تاريخيا، كان نهر دجلة المنساب من شمال العراق إلى جنوبه يحمل أبناء سامراء وتكريت إلى بغداد ليستوطنوا الكرخ، كما ان الطريق البري الممتد من الانبار غربا يحمل أبناء تلك المحافظة إلى هذه المنطقة.لذلك يمكن القول إن أبناء منطقة الكرخ التي شقها شارع حيفا إلى قسمين في الثمانينات من القرن الماضي هي موطن الأغلبية من العرب السنة في بغداد.ويقع الشارع الذي اشتهر بعد احتلال العراق بأنه من المناطق الساخنة، غير بعيد عن المكان الذي بنى فيه أبو جعفر المنصور أسوار بغداده المدورة..

وقد شهدت المنطقة التي نتحدث عنها صراعات طائفية في العصر العباسي، كانت ساحتها جامع براثا الذي كان قبل ذلك (قلاّية) يتعبد فيها المسيحيون، وجاء الخليفة الراشد علي بن ابي طالب خلال عودته من معركة النهروان، ليطلب من القس المسيحي (براثا) الذي كان فيها، والذي اسلم على يده، بناء جامع للمسلمين بدل (القلاية)، وحفر الإمام بنفسه في المكان بئرا، ما زالت تضخ مياها عذبة.

والجامع الذي نحن بصدده، هو الآن، مركز من مراكز الشيعة شمالي المنطقة التي تقطنها أغلبية من السنة العرب، ويؤم المصلين في هذا الجامع الشيخ جلال الدين الصغير القيادي في منظمة بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم.وفي الأيام الأولى بعد الاحتلال استطاع علماء الدين والوجهاء من السنة والشيعة في هذا الشارع حل المشكلات الطائفية ليتفرغ الجميع لمقاتلة القوات الأميركية والمتعاونين معها، وليتحول شارع حيفا إلى (احد رموز المقاومة)، في بغداد خاصة والعراق عامة.

وعلى الرغم من ان شارع حيفا عند افتتاحه غيّر كثيرا التركيبة السكانية للمنطقة، إذ سكنه اساتذة جامعات وأطباء ومقربون للنظام السابق وسياسيون من سوريا عارضوا النظام السياسي في بلدهم واحتضنهم النظام العراقي موفرا لهم سكنا في العمارات العالية التي نهضت في المنطقة، إلا أن المحلات والأحياء السكنية القديمة ما زالت تحافظ على أسمائها وعلى سكانها الأصليين، فهناك الكرخ أو سوق الجديد أو سوق حمادة التي تضم مناطق اصغر ذات دلالة تسمى المشاهدة أو التكارتة أو الجعيفر.. وكلها تحمل امتدادات غربي العراق.

يقول أبو سامي (وهو صاحب مقهى صغير في الشارع): ربما كان انحدار سكان المنطقة من المناطق التي اسماها الاحتلال ب«المثلث السني» هو ما جعل المقاومة تنمو هنا بشدة.. الا اننا لا نعرف هؤلاء المقاومين، فهم مثل الأشباح.. وأنت تجلس هنا لا ترى إلا المعارك تنشب فجأة وتسمع اصوات الرصاص أو الانفجارات، ثم ترى تطويق القوات العراقية أو الاميركية للمكان، ثم ينتهي الأمر باعتقال مشتبه بهم (هم ليسوا من المقاومين) وقد يفرج عنهم.ويضيف: يقولون ان المقاومين في هذه المنطقة من المواطنين العرب ولكني لا أظن ذلك.

ويلتقط الحديث أبو كريم وهو موظف متقاعد من رواد مقهى أبو سامي، ليقول: إن سمعة العرب الموجودين في الشارع أخذت اكبر من حجمها الطبيعي، وتضخمت بنحو واسع، خاصة بعد الاعمال العسكرية التي استهدفت وتستهدف قوات الاحتلال في هذا الشارع.ويقول: إن الحكومة العراقية تصر على أن للعرب اليد الطولى في أعمال شارع حيفا، وكأنها جاهلة بما يجري، أو تقصد التعمية لتضخيم دور المقاتلين العرب في ما يحدث من أعمال في العراق اولا، ولنزع الصفة العراقية عن تلك الأعمال ثانيا. ويوضح أبو كريم: إذا كانت هناك عمليات مثل تلك التي استهدفت مركزا للشرطة العراقية في مكان قريب من شارع حيفا، فالأمر لا يخرج عن كون الشارع كأي جزء من العراق اليوم ساحة مفتوحة يمكن للجميع العمل فيها بمن فيهم العرب.

ويرى أبو احمد (وهو صاحب محل بقالة) في احد ازقة المنطقة التي تغطيها بنايات شارع حيفا العالية: ان الأعمال المسلحة التي تقع في الشارع تبدو باساليب مختلفة، مما يفهم منه ان هناك اكثر من جهة على مستوى الفعل، ولكن الأساس في العمليات التي تدار في شارع حيفا عراقية بحتة، تمارسها اطراف عراقية، وبأيدي شباب عراقيين يدفعهم الوازع الوطني والقومي والديني، بحكم الانتماء أو العودة إلى الأصول المذهبية لهؤلاء.

وتقول الحاجة أم عبد العظيم: إن القول بان من يقاتل الاميركان في شارع حيفا ليسوا عراقيين قول يفتقد إلى الكثير من المصداقية، وإذا ما تم إلقاء القبض على بعض العرب في هذا الشارع فذلك لان هؤلاء يستخدمون الشارع كأي منطقة أخرى في العراق، ولكن الذين يقاتلون اميركا هنا عراقيون.

احد الذين قابلناهم رفض أن يعطي اسمه لنا حتى بالكناية، خوفا كما يبدو من معاقبة المسلحين له، يقول:لماذا لا يذهب هؤلاء المسلحون إلى أماكن خالية ويقاتلون الاميركان فيها؟.. لماذا يأتون إلى منطقتنا الآهلة بالسكان وبالأعمال البسيطة ويشلونها؟. ويوضح: ان الاميركان يداهمون منطقتنا على الدوام، ويفتشونها، وأحيانا يقف قناصوهم على أسطح بنايات شارع حيفا العالية ليلتقطوا أي هدف متحرك، وقد يكون هذا الهدف أنا أو احد أبنائي أو جيراني أو أصدقائي، وهم أثناء المداهمات يعتقلون أناسا أبرياء.. أما المسلحون فيفلتون بسهولة مع اسلحتهم ولا احد يقدر عليهم.

ومازال الكثير من العراقيين يتخوفون من المرور في شارع حيفا، لان رصاص المسلحين ليس لانهماره موعد محدد.. كما ليس لمداهمات القوات الاميركية والعراقية والميليشيات موعد محدد أيضا.