تشع شخصية كوفي عنان الذي تنحى من منصب الأمين العام للأمم المتحدة أمس بعد أن قضى فيه عشر سنوات بالكرامة والتعاطف والتواضع وهي المميزات التي تجعل من السهل أن يغرم الآخرون بعنان الذي يعتبر نجما في سماء دبلوماسية المنظمة الدولية.
ولكن بعد أن فاز بجائزة نوبل للسلام العام 2001 واجه أخبارا سيئة الواحدة تلو الأخرى مثل الحرب في العراق التي كان يعارضها وأسئلة معلقة حول فضائح الأمم المتحدة وتدهور العلاقات مع إدارة بوش ومطالبة اليمينيين الأميركيين بالتخلص منه.
وقال جيمس تراوب مؤلف كتاب نشر مؤخرا عن عنان: «الكلمات التي تحدثها خلال أول ثلاث أو أربع سنوات في المنصب كانت الأكثر أهمية والأكثر خلودا.. حقوق الإنسان وجدول الأعمال الإنساني».
وأضاف تراوب أنه «في الفترة الثانية كل شيء فشل سواء ما حاول القيام به أو التصرفات التي تعرض لها». ومن انجازات عنان (68 عاماً) وهو غاني ومسؤول محنك في الأمم المتحدة الرئيسية إرساء مفهوم مسؤولية حماية المدنيين عندما لا يقوم بذلك حكامهم او عندما يكونون عاجزين عن ذلك.
كما أنه يجعل من محاربة الفقر من أكبر أولوياته. وقال عنان مشيرا إلى أهداف الألفية للتنمية التي أعلنت عنها الأمم المتحدة «في عالم يوجد فيه الفقر المدقع والغنى الفاحش جنبا إلى جنب لا يمكن أن يستمر هذا الوضع». والهدف من أهداف الألفية الحد من الفقر ورفع مستويات التعليم.
وقال عنان إن من أسوأ اللحظات التي مر بها عدم قدرته على وقف العنف في دارفور وأزمة برنامج النفط مقابل الغذاء وحرب العراق التي فقد بعدها صوته لشهور. ثم يلي ذلك أكثر الأحداث ألما قصف مقر الأمم المتحدة في بغداد يوم 19 أغسطس العام 2003 ما أسفر عن سقوط 22 قتيلا بعد أن قرر عنان إعادة كبار مسؤولي الأمم المتحدة إلى العراق تحت ضغط من الولايات المتحدة. وقال عنان في آخر مؤتمر صحافي وصوته يختنق بالدموع: «لقد ألمني ذلك تماما مثل فقد أختي التوأم»، وتوفيت أفوا عنان بعد مرضها في العام 1991.
وفي العام 2003 تفجرت أيضا فضيحة برنامج النفط مقابل الغذاء الذي بلغ حجمه 64 مليار دولار والذي تلاعب به الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وكان يهدف الى تخفيف الام عقوبات الأمم المتحدة من على الشعب العراقي.
وفي حين أن عددا محدودا من مسؤولي الأمم المتحدة اتهموا بالتربح فقد وجهت اتهامات للمنظمة الدولية بسوء الإدارة وعدم الكشف عما يقوم به صدام من ممارسات.
وأقر عنان بسوء الإدارة وقال إنه «كانت الفضيحة ان وجدت في العواصم ومع 2200 شركة أبرمت صفقات مع صدام من وراء ظهورنا»، وكانت هذه القضية رهن تحقيق استغرق 18 شهرا برئاسة بول فولكر رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي الاميركي الأسبق.
ولكن البعض يقولون إن المنظمة الدولية قللت من شأن مدى جدية الفضيحة وكذلك من شأن تساؤلات لا تزال قائمة إلى اليوم عن كونجو ابن عنان الذي عمل مع شركة فازت بعقد كبير في إطار هذا البرنامج، وقال ادوارد لاك وهو أستاذ في جامعة كولومبيا ومؤرخ متخصص في شؤون الأمم المتحدة «إنهم يعمدون إلى التفكير في القضية وكأن بضعة من الناس ارتكبوا أخطاء في الأمانة.. لابد من التزام الأمم المتحدة بمعايير أعلى ومن التزامات الأمين العام أن يكون حريصا أكثر في مثل هذه الأمور». وبالنسبة للمحافظين كانت هذه الفضيحة إظهارا لمدى عدم جدوى الأمم المتحدة.
ولكن الولايات المتحدة بغض النظر عن أي الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري هو الذي يتولى الحكم عادة ما تشعر بالإحباط من الأمم المتحدة عندما تعارض السياسة الاميركية. وكان عنان مرشح إدارة كلينتون بعد أن اعترضت على التجديد لسلفه بطرس بطرس غالي متعللة بعدم إجرائه إصلاحات في الأمم المتحدة وهو نفس الاتهام الذي وجه لعنان.
وكان عنان المتزوج من سويدية وما زال في الغالب موضع احترام في أنحاء العالم. ولكن علاقاته مع واشنطن تذبذبت بعد حرب العراق كما أن علاقاته مع السفير السابق جون بولتون اقتربت من درجة العداء. ورغم ذلك وضع عنان دراسات واقتراحات الإصلاحات ابتداء من بحثه «في حرية أكبر» الذي دمج حقوق الإنسان والتنمية والأمن.
وفي آخر عام له في المنصب استعاد ثقته وتفاوض حول انسحاب إسرائيل من لبنان منتقدا الولايات المتحدة لانفرادها بالقرارات وانتقد مؤيدي القضية الفلسطينية لتكبيل الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة بقرارات لا نهاية لها وإدانة الجميع لعدم اتخاذ إجراء في مشكلة دارفور السودانية.
وذكر عنان متأملا الفترة التي قضاها في المنصب في آخر مؤتمر صحافي له انه يجب عدم الحكم على الأمم المتحدة من خلال الفضائح التي تفجرت، ومضى يقول إن «الأمم المتحدة هي أمم متحدة تنسق أعمال الإغاثة من أمواج المد وأمم متحدة تتعامل مع زلزال كشمير وأمم متحدة تدعو إلى المساواة..
.وأمم متحدة تحارب من أجل الكرامة الإنسانية وحقوق الآخرين». وفي الغالب ستكون تصريحات خليفته بان كي مون من كوريا الجنوبية أقل وسيقود الأمم المتحدة مدركا لحدوده والمساحة المحدودة المتاحة لأي أمين عام للمناورة. وماذا بعد.. يعتزم عنان وزوجته الحياة بين أوروبا وغانا حيث يريد إقامة مؤسسة زراعية افريقية. (رويترز)