ينظر سركون ناصر بأسى إلى شجرة الصنوبر المغروسة في حديقته ويقول إن أباه زرعها وعمرها يتجاوز العشرين عاما وفي كل وقت من هذا العام نقوم بتزيينها، حيث يجتمع الأعمام والأخوال والأقرباء في بيتنا لكونه بيت العائلة ونحتفل للصباح بأعياد الميلاد ورأس السنة.
وقال ناصر «لكن هذا العام لن نحتفل بسبب الأوضاع الأمنية والقلق من الاستهداف ... كما أن ثلاثة من أخوتي هاجروا بحثا عن الاستقرار والأمان وكذلك معظم أقربائي».
وأضاف ناصر الذي يسكن في منطقة بغداد الجديدة ذات الغالبية الشيعية لوكالة «أصوات العراق»: «كذلك احتراما لمشاعر العديد من جيراني والذين فقدوا العديد من أحبائهم في الانفجارات التي تطال مدينتنا». وأشار إلى ابنته وولده الصغيرين قائلا «من أجلهما قررت السفر إلى أربيل حيث دعتنا أختي للذهاب هناك والاحتفال معهم.. طبعا لن يكون احتفالنا كالأيام الخوالي».
ودفع تردي الأوضاع الأمنية في العاصمة بغداد والتخوف من هجمات مسلحة العديد من العائلات المسيحية في بغداد للسفر إلى اربيل ودهوك في إقليم كردستان للاحتفال هناك بأعياد ميلاد يسوع المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة.
وقال أبو مريم وهو خال ناصر «اتفقت مع عائلتي وعائلة أختي للذهاب أيضا إلى اربيل وهناك نستطيع الاحتفال بأمان والذهاب إلى الكنيسة للاستماع إلى القداس دون خوف أو ريبة وفي الليل سنتمكن من الاحتفال في أحد الأندية». لكن نفس الأوضاع دفعت عددا آخر من العائلات إلى التحدي والاكتفاء باحتفال بسيط في منازلهم والتمني بتعويض ذلك لاحقا في العام المقبل.
وتقول مادلين بادين وهي تعجن كليجة العيد «والله لن اذهب ، ما ناقصين بهدلة والتقيد بالبقاء عند الأقارب، عوضا عن ذلك قررت مع جارتي الاكتفاء بعمل الكليجة وشراء شجرة صغيرة وتزيينها والاحتفال معا».
وأضافت وهي تقص العجين «طبعا سأفتقد الاحتفال العائلي في بيت أبي حيث تعودنا أن نجتمع كل عام، لكن لا يهم الفرحة في القلب وان كانت ستكون ناقصة بسبب الأوضاع التي يمر بها بلدنا».
والكليجة نوع من المعجنات أو الحلويات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالعيد لدى العراقيين وهي عبارة عن عجينة محشوة بأنواع المكسرات والتمر توضع في قوالب صغيرة بأشكال مختلفة وترص في قالب كبير قبل وضعها في الفرن لتنضج. وقالت بادين وهي تنظر للسماء كأنها تدعو «ماذا نفعل؟ الله ينتقم من الذي سبب ذلك».
وهنا يتدخل ولدها أندي (17 سنة) قائلا اتفقت مع أصدقائي من الجيران على إقامة حفلة صغيرة في البيت حيث سنقوم بتشغيل السي دي (الأقراص المدمجة) وسنحتفل.. طبعا لن نحتفل بصخب لان الوضع لن يساعد. وأضاف «طبعا تحوطت لانقطاع الكهرباء ودبرت أمري بتوفير وقود لتشغيل المولدة في حال انقطاع الكهرباء».
ثم اعتدل في جلسته وقال «لن يمنعنا الإرهاب من الاحتفال بأعياد ميلاد سيدنا المسيح لأنه احتفال بالتجديد والتغيير نحو الأفضل وهو ما نتمناه لعراقنا العزيز».
ويتفق المسيحيون في العراق مع اندي في التمني بأن يكون ميلاد المسيح رسول المحبة والسلام خطوة نحو تغيير في العراق نحو الأفضل، بعد أن اضطرت الكنائس في العراق وللسنة الرابعة على التوالي بإلغاء مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد والاكتفاء بإقامة مراسم الشعائر الدينية والصلوات الخاصة بطقوس العيد مع الدعوة والابتهال إلى الله لإيقاف نزيف الدم في العراق.
بغداد ـ «البيان»: