في منزل متواضع في قرية كوم أشفين في محافظة القليوبية المصرية، يعيش «عم محمد» علي الوسيمي، لا شاهدا على العصر. وإنما شاهد على عصور عدة عايشها وتعامل معها وتركت بصمتها عليه، على مدار 131 عاما هي عمر «عم محمد» المولود في عام 1875، حسب الأوراق الرسمية، وان كان البعض يؤكد على أنه مولود قبل هذا التاريخ بسنوات.
«عم محمد» ليس مجرد رجل أطال الله في عمره حتى بلغ من العمر خريفه، وإنما الأكثر من ذلك أن الله بارك له في هذا العمر، حتى صار مثار إعجاب وتقرب الكثيرين من أهل القرية والقرى المجاورة الذين يحرصون علي الجلوس معه لفترات طويلة يسمعون منه أحاديث الغابرين وقصص السالفين.
ويصف لهم ما لم يره آباؤهم وأجدادهم، مثلما أنهم يتباركون به ويسألونه الدعاء لهم ولأولادهم فهو -كما يقولون- رجل مبروك حفظ كلام الله في صغره فحفظه الله في كبره. فالمعمر المصري حفظ القرآن الكريم كاملا وعمره 7 سنوات.
ورغم هذا السن المتقدم إلا أنه لا يزال يحفظه كاملا ولم تؤثر فيه أمراض الشيخوخة التي يعاني منها من هم أصغر منه بمراحل سنية كثيرة كما أنه يحفظ الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة ويحفظ أسماء الله الحسني كاملة ومرتبة، وكذلك نسل النبي محمد صلي الله عليه وسلم، وحتى سيدنا إبراهيم عليه السلام، بشكل يفوق العقل ويجهله كثير من المتخصصين في الشؤون الإسلامية والتاريخ الإسلامي، رغم أنه لم يدخل المدرسة يوما ما ولم يتلق أي قسط من التعليم.
ورغم أنه فقد بصره منذ 9 سنوات، إلا أنه وحتى اليوم يستطيع الإمساك بالقلم وكتابة أي شيء يملى عليه.«عم محمد»، كان طوال حياته «يعمل على ذراعه» أي أنه كان بائعا متجولاً يطوف البلاد المختلفة لبيع بضاعته يكتسب منها بعض الملاليم ينفق منها على نفسه.
الأمر المثير في حياة الوسيمي أنه طوال حياته الطويلة لم يتزوج إلا مرة واحدة، وكان عمره وقتها 75 عاما. عن هذه الزيجة الغريبة يقول «عم محمد»: تأخرت كثيرا في الزواج ليس كراهية في الزواج أو عزوفا عن النساء، ولكن لعدم قدرتي على ادخار ودفع مهر العروس لأن المهور كانت مرتفعة جدا وكنت غير قادر عليها، فقد كنت مطالبا بدفع مهر 35 قرشا (!) حتى وفقني الله إلى زوجتي الحالية فقبل والدها زواجي منها مقابل دفع مهر قدره25 قرشا.
ويذكر الوسيمي أن عمر زوجته فاطمة عندما تزوجها كان 13عاما فقط، وكان عمره 75 سنة. ويومها رفض مأذون القرية عقد قرانهما لصغر سن العروس ،واضطروا إلى أخذ العروس إلى القاهرة لتسنينها وعقد القران هناك. ويقول «إن زوجتي لا تعرف أنني سأتزوجها وكانت بتقولي يا عمي وساعات يا جدو».
وتلتقط الزوجة طرف الحديث فتقول «أنا يومها رفضت الذهاب معه إلى بيته وبكيت وقام أهلي بشراء (حصان حلاوة) لي لأذهب معه، ومن يومها وأنا معه ولا أستطيع الابتعاد عنه لحظة واحدة لأنه هو الذي رباني وعلمني كل شيء»..
ورغم تقدم سن المعمر المصري عند الزواج (75) سنه إلا أنه أنجب ثماني مرات، أصغرهم يدعى ربيع، يبلغ من العمر 44 عاما. وله أيضا16 حفيدا من بنين وبنات .
«عم محمد» يؤكد لـ «البيان»، على أنه لم يذهب إلى الطبيب ولا مرة واحدة في حياته، وأنه كان دائما طبيب نفسه وإذا أصابه أي مرض كان يلجأ للأعشاب الطبيعية، وبخاصة الشيح والكمون والنعناع. ربيع، الابن الوحيد للمعمر المصري، ويعمل في السكة الحديد، يؤكد أن والده يرفض أي نوع من العلاج ويرفض أن يراه الطبيب.
كما أنه يرفض استعمال طاقم الأسنان لتسهيل الأكل والمضغ، انه يأكل على لثته ولا يعيقه ذلك عن تناول كل أنواع الطعام مثله مثل الآخرين، ويرفض طهي طعام خاص به وأنه يتسابق مع باقي الأسرة في تناول الطعام، ولا يزال يحتفظ بذاكرة حديدية ويحفظ أسماء أبنائه وأحفاده وجيرانه بالكامل، كما أنه يحتفظ بجميع التواريخ التي مرت به من دون سهو أو نسيان .
ويذكر «عم محمد»، أنه في عام 2000 عندما هيأ الله له المهندس المصري المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويدعى حسام عبد الحميد، ليقوم برعايته وتحمل نفقات أدائه لفريضة الحج.
وهناك شارك في ماراثون «سباق الخير»، الذي ينظمه سنويا الأمير سلطان بن عبد العزيز، وكان أكبر المشاركين سنا وحظي هناك بحفاوة بالغة، وقدم له المسؤولون كل التسهيلات وقاموا بإجراء فحص طبي شامل له في المستشفي السعودي الألماني وكانت جميع النتائج ممتازة حتى أن نتيجة قياس الضغط كانت 120/80 وهو القياس الطبيعي لشباب في العشرينات من العمر.
ويستمر المعمر المصري في سرد ذكرياته في الأراضي المقدسة والدموع تنهمر من عينيه، وعندما سألناه عن سبب هذه الدموع، قال« أنا اشتقت لهذه الأماكن المقدسة وأتمنى زيارتها مرة أخرى وأنا أدعو الله ليل نهار أن يرزقني الحج هذا العام برفقة زوجتي والتي عانت معي كثيرا وتحملتني وصبرت علي، وأنا لدي القدرة والقوة علي مرافقتها في أداء المناسك ورعايتها هناك حتى تعود سالمة».
القاهرة ـ سباعي إبراهيم