كشفت وثيقة رسمية سرية أميركية، حصلت عليها مجلة «تايم»، أن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تمول مجموعات وأفراد المعارضة للنظام السوري الحاكم، بهدف تقويضه «ديمقراطياً» عبر الانتخابات، وهو ما نفته الإدارة الأميركية مع اعترافها بدعم المعارضة السورية، في وقت أعرب الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، عن «استعداده للبحث عن أرضية تفاهم» مع الولايات المتحدة، وذلك خلال لقائه مع عضوين في مجلس الشيوخ الأميركي.

وورد جزء من السيناريو الأميركي المقترح لإسقاط نظام الحكم في دمشق، في وثيقة سرية من صفحتين، تكشف عن أن الولايات المتحدة «تدعم اجتماعات دورية لناشطين سوريين مقيمين داخل البلاد وفي المهجر» في أوروبا. وتعبر الوثيقة بما لا يقبل الشك عن الأمل في أن «يرشح عن هذه الاجتماعات استراتيجية أكثر تماسكا وخطة عمل لجميع الناشطين المعادين لحكم الأسد».

وتورد أن الانتخابات التشريعية السورية المحددة في مارس المقبل تمثل «قضية مثيرة للاهتمام لمنتقدي سياسة الأسد»، وللاستفادة من تلك الفرصة تقترح الوثيقة، التي لم يذكر مصدرها او الجهة التي وضعتها، مخططا «لإدارة الانتخابات»، بحيث تكون «المواد التي يمكن الحصول عليها عبر شبكة الانترنت جاهزة للطباعة والنشر من قبل الناشطين داخل سوريا وفي البلدان المجاورة لها».

ويدعو الاقتراح أيضا لدفع المال لسياسي سوري واحد على الأقل مكلف بإدارة الانتخابات، بحسب «تايم»، فضلا عن «إطلاق حملات لتثقيف الناخبين» وإجراء استطلاعات رأي شعبية على ان «يحدد موعد (استطلاع الرأي الأول) التجريبي في أول العام 2007».

وقال المسؤولون الأميركيون إن الحكومة الأميركية، أجرت اتصالات مكثفة مع عدد من المجموعات المعارضة للأسد في واشنطن وأوروبا وفي الداخل السوري. كما تعتزم الولايات المتحدة ضخ بعض الزخم في عروق تلك المعارضة عبر بحث مخطط إدارة الانتخابات السورية بجدية، وفقا لعدد من المسؤولين، على الرغم من أن الإدارة لم تقره حتى الآن بسبب إمكان تأخير الانتخابات السورية أو حتى إلغائها.

وينص الاقتراح على أن تتولى منظمة يترأسها عمار عبد الرحيم وهو عضو مقيم في واشنطن في «جبهة الخلاص الوطنية» المعارضة للنظام السوري الحالي إدارة جانب من جهود إسقاط النظام السوري.

وتضم الجبهة منظمة «الإخوان المسلمين»، وهي منظمة إسلامية دعمت على مدى عقود فكرة الإطاحة بالحكومة السورية بالقوة، ثم تحولت إلى المطالبة بالإصلاح الديمقراطي السلمي للنظام، بالإضافة إلى النائب السابق للرئيس السوري الحالي ووالده الراحل حافظ الأسد، عبد الحليم خدام الذي هرب مؤخرا من سوريا إلى منفى اختياري اثر خلافات سياسية مع النظام.

ورتبت الإدارة الأميركية اجتماعين على الأقل مع ممثلين عن جبهة «الخلاص» ومن ضمنهم خدام في البيت الأبيض، ووصفت الوثيقة الجلسات بأنها تمهيدية أو استكشافية.وأعلنت الجبهة على اثر الاجتماعات نيتها فتح مكتب لها في واشنطن قريبا.

ولفتت الوثيقة إلى أن الترويج للديمقراطية كان محور تركيز الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، لكنها اكتسبت زخما في عهد بوش وخصوصا منذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001 الإرهابية. وتشير وثائق فضيحة إيران كونترا إلى أن اليوت ابراهامز كان المسؤول عن إدارة هذه الجهود في مجلس الأمن القومي، وحتى وقت قريب كانت ابنة نائب الرئيس الأميركي، اليزابيث تشيني، المشرفة على هذا الملف في وزارة الخارجية الأميركية.

وأشارت إلى أن تمويل اقتراح إدارة الانتخابات السورية يجب أن يمر عبر قنوات برنامج في وزارة الخارجية المعروف بمبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط.

ويذكر الموقع الالكتروني للبرنامج أن هناك صناديق تمويل تتراوح قيمتها بين 100 ألف ومليون دولار، مخصصة للترويج ولتثقيف وإيصال النساء إلى مراكز القرار، بالإضافة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي وهذه المبالغ جزء من مشروع تخصيص خمسة ملايين دولار لدعم الديمقراطية في سوريا، والذي أيد «الكونغرس» تمريره أول العام الحالي.

ولفتت الوثيقة إلى أن أي محاولة تديرها أميركا لإدارة الانتخابات السورية يمكن أن تجعل الحوار بين واشنطن ودمشق، كما تقترح مجموعة دراسات العراق وعدد من حلفاء الأميركيين، «أمرا مستحيلا».

ومن جهته اعتبر ادوارد جيرجيان، سفير أميركا السابق إلى سوريا الذي عمل ضمن مجموعة دراسة الأوضاع في العراق، أن الاقتراح بأكمله مضيعة للوقت، موضحا أن المعارضة السورية ضعيفة ومفككة إلى حد أن مثل هذه المغامرة يمكن أن تجني القليل من النتائج الحسنة. وقال لمجلة «تايم» إن «تمويل الأحزاب المعارضة الهامشية هو أمر يشتت الاهتمام» عن القضايا الرئيسية و«سيعيق خيارا أفضل يتمثل في إشراك سوريا في قضايا أكثر أهمية ومحورية مثل العراق والسلام مع إسرائيل والوضع الخطر في لبنان».

وتعليقا على الوثيقة، قالت إدارة بوش إنها تدعم مجموعات سورية معارضة لنظام الرئيس بشار الأسد، لكنها أوضحت أن هذا الدعم علني وليس عملية سرية تهدف إلى زعزعة حكومته. وأكد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك أن الولايات المتحدة تدعم مجموعات سورية للمجتمع المدني بما يتطابق مع سياستها العامة لنشر الديمقراطية في العالم.

وقال إن «كل نشاطات وزارة الخارجية علنية ويتم تمويلها من خلال مبادراتنا من اجل الشرق الأوسط وبإمكان كل العالم ان يرى ذلك». وأضاف ان «هناك تقارير عامة عن هذه النشاطات ونحن نتحدث مع الكونغرس بشأنها».

وقال مسؤول في البيت الأبيض طلب عدم كشف هويته، إن الإشراف على الانتخابات يشكل «احد أهم العناصر في أي انتخابات حرة والولايات المتحدة تدعم تدريب المراقبين». ولم يوضح هذا المسؤول ما إذا كانت واشنطن تسعى لتحقيق ذلك في سوريا، لكنه قال «في الوضع الحالي، من غير الممكن للشعب السوري ولا لخبراء دوليين، مراقبة انتخابات بحرية داخل سوريا للتأكد من أنها تجري طبقا للمعايير المعترف بها دوليا».

وتابع المسؤول نفسه إن (الحكومة السورية يجب أن تسمح بحرية تحرك وخطاب ومشاركة الذين يرغبون في سوريا في مراقبة الانتخابات المقبلة في 2007). وأضاف ان «برنامج الرئيس لنشر الحرية يجعل من تطوير الديمقراطية في الشرق الأوسط أولوية في السياسة الخارجية الأميركية». وأوضح أن ذلك «يشمل مساعدة الشعوب في المنطقة التي تريد المشاركة في انتخابات حرة وعادلة التي تتطابق مع المعايير الدولية».

وكان الرئيس السوري بشار الأسد أعرب أول من أمس عن «استعداده للبحث عن أرضية تفاهم» مع الولايات المتحدة وذلك خلال لقائه مع عضوي مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري وكريس دود، حسب ما أعلن هذان العضوان. وجاء في بيان مشترك لكيري ودود اثر لقاء استمر ساعتين مع الأسد في دمشق أن «الرئيس الأسد أوضح انه مستعد للبحث عن أرضية تفاهم وبحث الملفات ذات الاهتمام المشترك» مع الولايات المتحدة.

وأوضح كيري (مرشح سابق للانتخابات الرئاسية) ودود انهما شددا على ثلاثة ملفات: مراقبة الحدود مع العراق لوضع حد لتدفق الأموال والأسلحة والمتمردين إلى هذا البلد، وكذلك وقف الدعم بالأموال والأسلحة الذي تقدمه سوريا لحزب الله وحماس ومنظمات «إرهابية» أخرى .

بالإضافة إلى احترام سيادة ووحدة أراضي وسياسة لبنان. وأضاف السناتور كيري والسناتور دود في بيانهما «انهينا محادثاتنا بالطلب إلى الرئيس الأسد البدء باتخاذ إجراءات ملموسة يمكن التحقق منها لتأكيد الرأي الذي عبر عنه بأنه يريد أن يكون العراق مستقرا وسيدا وإيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي عبر إقامة دولتين وبأن يكون لبنان مستقراً».

وجاءت زيارتهما إلى دمشق بعد الزيارة التي قام بها الاسبوع الماضي النائب الديمقراطي الآخر بيل نلسون. وقد أثارت هذه الزيارة سخط البيت الأبيض ووزارة الخارجية.