بينما تجتاح أوروبا مشاعر غريبة عن مبادئ الثورة الفرنسية تصب جام غضب أصحابها على الأجانب وتتجلى كرها لهم وتهدد بإقصائهم عن المجتمع، تخاطب امرأة لا يتجاوز عمرها الخمسين عاما كل فرنسا ولا تقبل التقسيمات، مع أن بلادها تغوص في غمار تحول اجتماعي يقل في عماره أولئك الذين يتسامحون مع خليط المهاجرين ويردون بازدراء على كل محاولات الدولة الرامية إلى التخفيف من وطأة الاحتقان السائد بين ثنايا المجتمع الفرنسي.

لكن سيغولين رويال، التي تحتفظ بقلبها الاشتراكي بثورة سلمية، تسعى إلى الصمود وتحقيق النصر في هذا الميدان الحيوي الذي لا يهدد الاستقرار في فرنسا فحسب وإنما في أوروبا بأسرها. وهي تسير على درب المواجهة للذين تنكروا لحقيقة نجم كرة القدم زين الدين زيدان (الجزائري الأصل) ولم ينصفوه ( لأن تلك الحقيقة لم تكن فرنسية بالكامل ) وكانت متعددة الثقافات. وهي تدرك جيدا مرارة التمييز، ذلك أن رفاقها في الحزب أنفسهم كانوا قد نصحوها بأن تكرس نفسها لرعاية أولادها وهؤلاء بالذات هم الذين يجترعون الآن مرارة الهزيمة وسيعون إلى تسويق أنفسهم كحلفاء هذه المرة.

سيغولين رويال، التي وضعت قدمها على طرف سجادة قصر الإليزيه الحمراء،لن تعتمد في انتخابات الرئاسة الفرنسية المقبلة في أبريل 2007 على أصوات رفاقها الاشتراكيين التقليديين فحسب، وإنما على المتعاطفين معها الذين عبروا عن موقفهم عبر الانترنت عندما دعت من موقعها إلى ( التغيير السياسي ) في فرنسا، فلا بد من التذكير أن هؤلاء وغيرهم من الفرنسيين تواقون إلى رؤية شخصية قوية مثل شخصية سيغولين قادرة على مواجهة المرشح الأوفر حظاً لتمثيل اليمين في انتخابات الرئاسة الوزير نيكولا ساركوزي وتحقيق النصر عليه، كما لا بد من القول إنه رغم وقوف تحالف اليسار الموحد خلفها إلا أنها تمتلك خطابا خاصا بها كذلك.

سيغولين تعطي أولوية للناس وتتجاهل الأطر الحزبية وهذا السلوك يهدد، بلا شك، قادة اليسار التقليدي، الذين يشعرون بأن هذه الطفرة الاشتراكية إنما تشكل تهديدا ( ليبراليا) لأيديولوجيتهم النقية ومناصبهم.

لا شك بأن هذا النصر الذي حققته سيغولين رويال والنصر المرتقب أن تحققه لاحقا في الانتخابات الرئاسية إنما مرده إلى الأوضاع السياسية المحلية الراهنة في بلدها فرنسا، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالفرنسيون تواقون للخروج من عنق زجاجة مقاومة العولمة التي تستنزف اقتصادهم برغم حرصهم في الوقت نفسه على الحفاظ على أنموذجهم الاجتماعي الخاص.

باسل أبو حمدة