تحتفل الجزائر اليوم (الأربعاء) بالعيد الــ52 لاندلاع ثورة التحرير الكبرى. وأعدت الحكومة و«منظمات الأسرة الثورية» من مجاهدي الثورة وأبناء الشهداء برنامجا حافلا يعم مختلف مدن وبلدات البلاد يتضمن نشاطات ثقافية وفنية ورياضية وندوات فكرية وتاريخية وما إلى ذلك مما يرمز للكفاح البطولي الذي خاضه شعب الجزائر أكبر ثورة تحرير شهدها القرن العشرين.
وسيشارك في الاحتفالات عدد من الأجانب الذين شاركوا في الثورة أو قدموا لها الدعم. واندلعت ثورة الجزائر الكبرى في الساعة الأولى من الفاتح نوفمبر بإطلاق الرصاصة الأولى في منطقة الأوراس الجبلية ضد هدف استعماري تلتها سلسلة من التفجيرات والعمليات الناجحة في وقت واحد في مختلف أنحاء البلاد، أذهلت جيش الاحتلال وزرعت فيه الرعب والفزع، فسحبت الحكومة الفرنسية قواتها من جميع مستعمراتها و حشدتها في الجزائر حتى بلغت مليونا ومائتي ألف جندي لمواجهة الثوار المقاتلين بالأسلحة البسيطة وبالإرادة والعزم.
وبفضل ثورة الجزائر حصل اكثرمن عشرين بلدا على استقلاله. واستمر الكفاح المسلح في الجزائر أكثر من سبع سنوات كانت كلها حمما من النار والدخان ورائحة الدم، لكنها كانت أيضا حبلى بالآمال ومثالا للتضحية والصمود والإصرار على تحقيق النصر النهائي.
وسقط في الثورة مليون ونصف مليون شهيد ومئات الآلاف من الجرحى والأرامل واليتامى ودمرت آلاف القرى عن آخرها، واستخدم الجيش الفرنسي المدعم بالحلف الأطلسي كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دوليا.
وقاوم الجزائريون بالسلاح وبالتفاف الشعب حول المجاهدين وقيادتهم وبالدبلوماسية اللامعة التي تمكنت من إذلال الدبلوماسية الفرنسية وتقزيمها.
وشكلت الثورة حكومة مؤقتة لتكون الناطق الرسمي باسم الشعب في المحافل الدولية بقيادة الدكتور فرحات عباس الصيدلاني الذي تحول إلى السياسة منذ كان طالبا جامعيا في العشرينيات. وكونت الثورة جهاز مخابرات قوي تمكن من اختراق أكثر الدوائر الفرنسية تحصينا ومناعة. كما أطلقت إذاعات متحركة داخل الجزائر وأخرى في البلدان الشقيقة وفي مقدمتها مصر وتونس والمغرب.
وكان «صوت الجزائر» الذي يبث من القاهرة سلاحا قويا عبأ الشعوب العربية لنصرة الثورة والثوار . وناضلت الجزائر أيضا بالمسرح و الغناء وكرة القدم حيث جابت الفرق الفنية التابعة لجبهة التحرير كل أنحاء العالم.
وفي العام 1958 هرب معظم لاعبي كرة القدم الجزائريين الذين كانوا يلعبون لأكبر الأندية المحترفة في فرنسا، ومنهم دوليون يلعبون للمنتخب الفرنسي وتنازلوا عن الشهرة والثروة ليخدموا الثورة بفنهم الراقي، فالتحقوا بالثورة وشكلوا أول منتخب في تاريخ الجزائر لعب في عشرات العواصم العربية والأجنبية وفي كل مرة يظهر يرفع علم الجزائر عاليا ويؤكد بأن الجزائر ليست فرنسية كما يدعي المحتل.
وبفعل هذه العوامل مجتمعة اتسع نطاق التعاطف مع الثورة الجزائرية في العالم فساندتها كل الدول العربية ومعظم بلدان إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وأيضا عدد من دول أوربا.
وخاضت الدبلوماسية الجزائرية الناشئة معارك مضنية لإقناع العالم بعدالة الكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري ودخلت أروقة الأمم المتحدة وتمكنت بفضل السند الكبير للأشقاء والأصدقاء من تسجيل القضية على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة مرات ونوقشت القضية وخرج الوفد الفرنسي من الاجتماع مهزوما لأول مرة في تاريخه.
وفي بداية الستينيات كان الاقتصاد الفرنسي على حافة الانهيار بفعل استمرار الحرب ثم نقلها إلى فرنسا ذاتها حيث نفذ الثوار عشرات العمليات في المدن الفرنسية استهدفت المصالح الحكومية الحساسة، فأذعنت حكومة الجنرال شارل ديغول وأعلنت عن بداية المفاوضات مع قيادة الثورة. على أن تقام حكومة جزائرية مستقلة على الجزء الشمالي من البلاد وتبقى الصحراء التي تزخر بالثروة النفطية وبالمساحات الشاسعة المستخدمة في تنفيذ التجارب النووية تحت السيادة الفرنسية.
فرفضت الثورة بطبيعة الحال التنازل عن أي شبر ورضخت فرنسا وتم الاتفاق على وقف شامل للنار ابتداء من 19 مارس 1962 ونظم استفتاء لتقرير المصير فصوت الجزائريون على الاستقلال وأعلنت الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في الخامس من يوليو 1962 وهو اليوم نفسه من العام 1830 الذي استسلم فيه الداي حسين للجيش الفرنسي وسلم له مفتاح مدينة الجزائر.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي