ينطلق جدل عنيف في لبنان يكاد يهدد الوحدة الوطنية يتعلق بسلاح حزب الله الذي يثار بحدة من قبل بعض القوى القائلة بوحدانية السلاح ورفض بقائه في يد الحزب من منطلق انتفاء مبررات وأسباب وجوده معززين موقفهم ببنود القرار الدولي 1701 الذي يحمل تأويلات وتفسيرا ت عديدة، فيما تظهر شريحة سياسية كبيرة حرصها على التمسك بهذا السلاح الذي يشكل أحد عناصر القوة للبنان
لا سيما وأنه أثبت جدواه في الحرب الأخيرة لجهة توازن الرعب وكفاءة المقاومين العسكرية الاستثنائية في مواجهة أقوى خامس جيش في العالم، إضافة إلى استمرار التهديد الإسرائيلي للبنان من خلال احتلال مزارع شبعا وبعض النقاط الحدودية اللبنانية وعدم إطلاق الأسرى وتهديد حزب الله بملاحقته حتى آخر كادر وقيادي.
ولم يلتق سلاح حزب الله في السابق مع تطلعات وأولويات وغايات بعض القوى والأحزاب السياسية اللبنانية، ولم تصل جلسات الحوار الوطني التي انعقدت على مدى ثلاثة أشهر إلى خواتيم سعيدة لهذه القضية الخلافية، فجاء العدوان الأخير ليتوج الاحتقان
ويرفع من وتيرة السجال السياسي على قاعدة الكلفة الباهظة التي تكبدها لبنان نتيجة عدم الإصغاء إلى الدعوات المتكررة لنزع السلاح من يد حامليه، واستكمل العدوان بقرار دولي استندت إليه القوى نفسها في تفسيراتها لآلياته التي تعالج جذور إشكالية أدت عبر تسلسل سياقها التاريخي إلى صقل وتعزيز قوة حزب الله العسكرية.
في هذا الإطار اعتبر النائب والسياسي المخضرم بطرس حرب أنه في معرض معالجة ظاهرة سلاح حزب التي أنتجتها ظروف الصراع اللبناني الإسرائيلي فخرج السلاح حاملا شعار تحرير الأرض المحتلة في لبنان وتحرير الأسرى لا بد من معالجة الاسباب لإسقاط كل مبرر، فنحن نفهم أن يكون السلاح وسيلة لكن لا نقبل على الإطلاق أن يكون غاية بحد ذاته،
لذلك فالتعاطي مع هذا الأمر بشكل عقلاني يؤدي إلى مخارج وحلول ويسمح بتفادي خلافات قد تسيء إلى وحدتنا وتضامننا. وقال حرب إن الجديد المؤثر في القرار 1701 هو أنه حسم هذا الموضوع لجهة معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور سلاح الحزب وبالتالي إسقاطها وفض الاشتباك حول السلاح من خلال نقطتين أساسيتين أدرجا ضمن بنوده وهما إنسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية
ووضع دراسة حول كيفية معالجة موضوع مزارع شبعا الذي كان أمرا مستحيلا في السابق بالنظر للموقف السوري السلبي لجهة الإقرار بمحضر رسمي يعترف بلبنانية هذه المزارع مما أعاق الجهود الدولية في مؤازرة لبنان لتحقيق هذا المطلب.
وأعتقد أنه لو كان الموقف السوري مختلفا لكنا تفادينا هذه المعضلة، لكن اليوم وبعد صدور القرار 1701 وضعت آلية لمعالجة موضوع شبعا من خلال الآلية المتدرجة لإزالة الاحتلال ووضع المزارع تحت أمرة الأمم المتحدة. واعتبر حرب أن إرسال 15 ألف جندي لبناني إلى الجنوب بمواكبة دولية
وإعادة النظر في الاستراتيجية العسكرية تأخذ في الاعتبار وضع سياسة دفاعية قد تسمح للبنان ببناء قوات شرعية جديدة قادرة على الدفاع عن لبنان وأمنه وتطوير وسائل مواجهة إسرائيل بحيث تسقط كل حجة لحزب الله بأنه القوة الوحيدة المؤهلة للدفاع عن لبنان.
واضاف: في هذه الحال اصبحت الدولة اللبنانية هي الهيئة الوحيدة المنوط بها حمل السلاح وحماية الأرض وضبط الأمن، إضافة إلى أن التشكيلة الجدية للقوات الدولية ذات الصلاحيات الواضحة القريبة من صلاحيات الفصل السابع تشكل حصانة إضافية
وهي ليست آتية لتقف كشاهد زور بل إنها مهيئة لقمع وفرض هيبتها والأمن بمساندة الجيش اللبناني ووجودها لن يكون لمدة طويلة وإنما هي موجودة بقوة وكثافة في هذه الفترة بالتحديد التي يحتاجها فيها لبنان إعادة بناء قدراته وقواته العسكرية.
واعتبر أن لبنان يعول على فهم حزب الله ومواقفه المسؤولة في تفادي اي صدام مع هذه القوة إذا ما كان حريصا على لبنان ومستقبله.وأكد حرب أن كلام حزب الله خلال جلسات الحوار ومبرراته سقطت لا سيما بعد أن أوقع العدوان الضرر الكبير بكل لبنان وكان هناك إمكانية لتوسيع دائرة الاعتداءات أكثر إلى مرحلة قد لا يكون حزب الله قادرا على مواجهتها،
في وقت كان يؤكد في جلسات الحوار كلها على أنه قادر على مواجهة أي اعتداء إسرائيلي وتحمل نتائجه وحده. من هنا فإن النقاش حول هذه الأمور سقط أيضا وهو ما يدفع اللبنانيين إلى دعم تنفيذ هذا القرار وإلزام المجتمع الدولي بتنفيذه كي لا يبقى نائما في أدراج الأمم المتحدة فنكون بذلك قد حققنا حماية لمكاسب لبنان التي تحققت.
بدوره اعتبر الوزير والنائب السابق محمد عبدالحميد بيضون أن قرا ر إبقاء أو تخلي حزب الله عن سلاحه يتقرر تبعا لما ستصل إليه نقاشات الحزب الداخلية حول أين يتنتهي مهمة الحزب وهل ستبقى محصورة بالداخل أم ستكون ذات ابعاد استراتيجية أبعد. وقد رأينا في الخطابين السوري والإيراني محاولات لأقلمة دور الحزب،
وهناك سباق ما بين طغيان البعد المحلي والبعد الإقليمي مقابل نقاط الحكومة السبع التي انطلقت من لبننة أهداف الحزب السياسية وحصرها بالمزارع والأسرى. وأكد بيضون أن نص القرار الدولي 1701 على دخول الجيش اللناني إلى مناطق الجنوب يعني أن الدولة اللبنانية أخذت قرار الحرب والسلم على عاتقها ولا إمكانية لأن يتفرد لا حزب الله ولا غيره بعد الآن بهذا القرار دون أن توافق الحكومة على ذلك،
وبالتالي فإن حزب الله انضبط في إطار مرجعية الدولة اللبنانية وسيجري في العمق تنسيق ما بين قدرات الجيش اللبناني وحزب الله لتكتمل قدرات الجيش. واستبعد بيضون حدوث صدامات بين الطرفين ومؤكدا أن الجيش لن يسمح بوجود مسلح على الأراضي الجنوبية وسيسلم كل الذخائر والأسلحة التي سيجدها إلى قيادته إذا لم يسحبها الحزب من المناطق الجنوبية بعد، مشددا على أهمية إعداد برنامج تسليح وإعادة تأهيل للجيش الشرعي،
ففي السابق تم تأهيل الألوية لكن لم يتم تجهيزها وهذا يحتاج إلى مبالغ كبيرة ومساعدات ضرورة. ودعا بيضون إلى أن يتم التشديد في كل اجتماع لبحث إعادة الإعمار على طرح موضوع تجهيز الجيش اللبناني مؤكدا على ضرورة عدم تلهي وغرق اللبنانيين في خلافاتهم الداخلية دون برنامج واضح ودون أن يتنبهوا لنوايا إسرائيل التي بدأت تتحضر لجولة ثانية.
في مقابل هذه المواقف وصعوبة اقتناع الرافضين لبقاء سلاح حزب الله بعد القرار الدولي الجديد يبرز موقف توضيحي وصارم لنائب «كتلة التنمية والمقاومة» حسن فضل الله الذي تحدث عن مسار العلاقة التي حكمت لبنان بالعدو منذ العام 1948 وحتى اليوم، وأكد فيه أن حمل السلاح جاء لتحقيق أهداف دفاعية خاصة وان لبنان كان دائما معرضا للاستهداف والاعتداء ولم يكن هناك توازن نظامي،
ونتيجة تعاقب الأحداث في لبنان لم تنشأ دولة لديها الإمكانية لمواجهة إسرائيل التي استغلت هذا الواقع لتجعل لبنان ساحة لتنفيس مشكلاتها من جهة وتحقيق أطماعها الأمنية والسياسية فكان السلاح الوسيلة الوحيدة المتاحة لمقاومة العدوان وتحرير الأرض وهذا ما أنجز خلال السنوات الماضية.
وأكد فضل الله أن أسباب التمسك بالسلاح لا تزال موجودة فالاحتلال لا يزال قائما على أرض لبنانية ومزارع شبعا لم تتحرر بعد وإسرائيل تهدد وتتوعد عناصر حزب الله، وقال كان الحزب منفتحا على الحوار الداخلي كي يصل اللبنانيون إلى تفاهم حول هذا الموضوع
لكن أميركا تدخلت بالحديد والنار وفشلت على كل حال في تحقيق غاياتها، وشدد على وجود أفق لحل هذه المسألة وقد كنا جديين في الرؤى التي طرحناها حول إستراتيجية دفاعية تؤسس لصيغة تكامل بين المقاومة والدولة فلماذا اليوم استعجلوا ولم يناقش الموضوع سوى في جلستين أخيرتين سابقتين على العدوان؟
وأكد أن هذا الموضوع لا يناقش عبر وسائل الإعلام وإنما داخل الأطر الرسمية والحوارية ونحن لدينا قابلية للأخذ والعطاء في الموضوع وقد رحبنا بانتشار الجيش منذ اللحظة الأولى وبدخول القوات الدولية وسنتعاون إلى أقصى الحدود ولا داعي للصدام مع أي فريق، مؤكدا على ضرورة تجاوز الفتنة وإحباط أهداف العدو بإحداث شرخ بين اللبنانيين وتحقيق ما فشل فيه بالعسكر من خلال الدهاء والمكر السياسيين.
وتؤيد حزب الله في مواقفه واستراتيجياته قوى عديدة أساسية من بينها الحزب الشيوعي اللبناني الذي قاتل عناصره إلى جانب المقاومة في الجنوب. ويقول عضو المجلس الوطني للحزب وعضو الصلات السياسية رياض صوما أن حزب الله ليس بوارد تسليم سلاحه اليوم طالما أن المعركة لا تزال دائرة في ظل غياب أية ضمانات كي لا تخرق إسرائيل النار غدا.
ولفت إلى أن السلاح يسلم عندما تتحقق كل الأهداف وهذا ما لم يحصل مع العدو حيث لم يتم تبادل الأسرى حتى اليوم ولم ترد قضية شبعا إلا من خلال إشارة في القرار الدولي بعيدا عن أي بحث جدي إلى جانب تهديد أولمرت لقياديي ومراكز حزب الله. وانطلاقا من هذه المعطيات من من الصعب جدا أن يسلم حزب الله سلاحه في الفترة المنظورة ولا يوجد منطق يبرر ذلك لأنه لا ضمانات على سلاح العدو.
وقال صوما: توجد إشكالية نعم ولكن لا ينبغي معالجتها بمنطق التخلي عن هذه القوة التي نمتلكها وإنما وضع هذه القوة في خدمة الدفاع الوطني العام وأن لا يباح استخدام السلاح في الصراع الداخلي، مشيرا إلى أن المرحلة اللاحقة ستشهد بحثا حول الخطة الدفاعية ومن الممكن أن يجمع اللبنانيون على أن يندمج حزب الله ضمن المنظومة الدفاعية وقد يقتنع بعض المعارضين بضمانات معينة أو نظام إدارة لهذا السلاح حتى يتحول إلى قوة في يد الجميع.
بيروت ـ ثناء عطوي