لم يكد أهل الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت يتأكدون من سريان «وقف العمليات العدائية» بين إسرائيل وحزب الله، بناء على قرار مجلس الأمن الدولي 1701 حتى هرعوا عائدين إلى ضاحيتهم الجريحة،التي شوهت معالمها وحشية الغارات الإسرائيلية.
فمنذ 12 يوليو الماضي، قصفت الطائرات الإسرائيلية تلك البقعة من العاصمة، بعشرات آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ، التي سوت العشرات من أبنيتها بالأرض،أو جعلت منها تلالاً من الركام، وأثراً بعد عين.
مع ذلك، عاد أهل الضاحية إليها، عودة المتسائل، المشتاق، والمذهول، والمصدوم. عادوا إليها بكثرة، فغصت بهم شوارعها وزواريبها، التي غطاها الزجاج المحطم والكتل الإسمنتية والسيارات المحروقة أو المحطة.
كانت الضاحية على النقيض من الخواء الذي كانت تعيشه عندما زرناها، في ساعة بين غارة إسرائيلية وأخرى، قبل نحو ثلاثة أسابيع، عندما كان المارة والسيارات استثناء. هذه المرة، كان شباب الضاحية، ونساؤها وأطفالها وعجائزها، يمشون في مجموعات.عائلات وأصدقاء، يمشون بين الأبنية المهدمة،
والذهول، من هول الدمار الذي لحق بمنطقتهم، مرتسم على وجهوهم. كانوا يخطون خطواتهم بما يشبه التيه.فمن لم يفقد عزيزاً، فقد بيتاً.وكانوا يتسمَرون هنا وهناك.أمام الركام، الذي دفنت تحته بيوتهم التي ترعرعوا فيها، مبتلعاً ذكرياتهم، في ما كانت، قبل العدوان، غرف نومهم ومعيشتهم.
كانت رائحة البارود تزكم الأنوف، وغبار الدمار يعمي العيون.كثيرون مشوا وقد وضعوا الكمامات على أنوفهم.الشوارع والزواريب، ضاقت بالسيارات وبالدراجات النارية، وبعشرات الآلاف من الناس، الذين احضر بعضهم آلات تصوير،
أو استخدموا هواتفهم النقالة، لكي يخلدوا آثار وحشية ذاك العدو، الذي لم يترك وسيلة لم يستخدمها، لكي يركعهم، ويبعدهم عن مقاومتهم، ولكنه زرع شيئاَ وحصد النقيض.البعض، ممن دمرت بيوتهم، لم يخرج من بين الأنقاض، سوى أوراقاً وصوراً شخصية، فيما وقف آخرون ينظرون إلى تلال الركام، حيث كانت منازلهم، من دون أن يروا شيئاً.فألف سؤال يدور في رؤوسهم المتعبة، التي لم تغادرها بعد أصوات القصف والانفجارات.
عناية دخل الله كانت تتفقد، وزوجها محمود وشقيقه، بيتهم، الذي وجدوا المبنى الذي كان بين طبقاته، قد انهار نصفه بشكل عامودي، ولم يعد يصلح إلا للهدم. كانوا قد تركوا المنطقة الملاصقة لما يعرف بس المربع الأمني، الذي يضم مقر قيادة وشورى حزب الله ومبنى تلفزيون المنار وإذاعة النور، الناطقان باسم الحزب،
وذهبوا لتمضية تلك الفترة العصيبة في منطقة الجبل، ثم انتقلوا إلى منطقة المنصورية المسيحية شرقي بيروت، وما أن توقف القصف، حتى هرعوا إلى الضاحية ليقفوا عندما آل اليه مسكنهم. عناية تقول إن وضعهم لا يزيد سوءاً عن غيرهم ممن فقدوا بيوتهم، علماً أنها وعائلتها كانوا يعيشون في ذاك المنزل منذ عشرين عاماً. صمتت قليلاً ثم أضافت بغصة: «لقد ولدنا وتربينا هنا».
شقيق زوجها، الذي فضل عدم ذكر اسمه، لفتنا إلى أن لعائلاتهم ولاخوانهم ثلاثة بيوت في المنطقة، أحدها في مبنى قريب دلنا عليه، لم يبق منه سوى السقف، الذي انهارت من تحته الطبقات العشرة، التي كان يرتفع عليها. أما محمود، زوج عناية، فقال، إن ما نراه من دمار، هو نتيجة الحقد الذي أفرغته الهمجية الإسرائيلية على منازل الناس وعلى مناطقهم.
وعندما سألت «البيان» محمود عن البديل عن بيته الذي خسره، رد بإباء «البديل هو أننا سنعمره مجدداً». وأضاف «أرادوا (الإسرائيليون) أن يجعلونا نكره المقاومة، أو ننفر منها، ولكنهم لم، ولن ينجحوا في ذلك، بل على العكس، فإذا أجريت إحصائيات، فستجد أن شعبية السيدس حسن نصر الله أمين عام حزب الله) ازدادت أكثر مما كانت عليه من قبل، في لبنان، وفي خارجه».
شقيق محمود قال إن «ما خسرناه ليس بقليل، ولكن المهم أننا انتصرنا عليهم، وإنشاء الله سنعمر بيوتنا بأجمل مما كانت، وسنعيش أفضل مما كنا نعيش، لقد دمروا بيوتنا وأحياءنا، لكنهم لم ينجحوا في أمر غير ذلك».
مصطفى مبارك، كان يعيش مع عائلته في الطابق الأول من مبنى كان مؤلفاً، قبل أن يصبح ارتفاع ركامه أقل من طابقين، أحد عشرة طابقاً.
كان يقف ساهماً في كومة الأسمنت المدمر، التي كان يتوسطها حفرة عميقة خلفتها قنابل الهمجية.. «لست أدري كم من القنابل التي سقطت على المبنى حتى صار على هذا الشكل»، قال لنا مصطفى، وهو يبتسم ابتسامة صفراوية، بينما كانت تقف قربه زوجته.
كانوا أحد عشر شخصاً يعيشون في تلك الشقة، التي سكنوها منذ أكثر من 16 عاماً. ولكن لم يعد لمصطفى ولعائلته، بيت يأوون إليه، بعدما دمر العدوان الإسرائيلي بيتهم الثاني في بلدة مركبة في الجنوب، ولكن لحسن الحظ، ان أحداً من أفراد العائلة لم يسقط شهيداً أو جريحاً في هذه الاعتداءات.
ورغم حالة الضياع التي بدا عليها مصطفى، أمام فقدانه، وعائلته السقف والبيت، أردف القول إن «الله يعوض علينا.وكله فداء للشباب»، في إشارة إلى عناصر حزب الله. وعما إذا اتصل بهم أحد للتعويض عليهم أو مساعدتهم في توفير مسكن لهم، قال إن «ما فقداه ليس بالشيء العظيم.جئنا هنا، علَنا نجد أوراقاً ملكية العقار، ولكننا لم نوفق». وتابع ضاحكاً: «وجدنا مكيف المنزل المحطم وستارة الشرفة».
مصطفى وزوجته أكدا أنهما سيحتاجان لأكثر من أسبوع حتى يستوعبا صدمة المشهد الذي يقفان أمامه. وقال إن «هذا الحي عزيز عليَ إلى أبعد حد، لأن الناس الذين كانوا يعيشون هنا أناس طيبون جداً». وعما إذا كان يعرف، أو بإمكانه أن يحدد الأسباب التي يمكن أن تعلل قصف المبنى الذي كانوا يعيشون فيه، أوضح أن المبنى كان يضم مطبخاً يديره حزب الله، وكانت مهمته إعداد الطعام لعوائل الشهداء والمحتاجين، وليس القنابل.
حال هؤلاء، كحال الكثيرين ممن كانوا يتفقدون الأمكنة والأحياء، الشوارع، التي كانت تلجها بين الوقت والاخر، سيارات محملة بالفرش والأواني المنزلية، لأناس كانوا يسكنون في المدارس، وعادوا، إما إلى منازلهم، أو إلى منازل أقارب لهم، بعدما صارت بيوتهم على الأرض
في بعض الأحياء، وخصوصاً في محيط المربع الأمني كان يقف عناصر من حزب الله بأسلحتهم، وكانوا يدققون بهويات من يشعرون أنهم غرباء عن المنطقة، قبل السماح لهم بالمرور إلى الشوارع التي تخترقه. «الأعمال العدائية» توقفت. لقد شكلت الحرب الإسرائيلية على اللبنانيين وطأة كبيرة، ولكن التحدي لا يزال في القدرة على التخلص من اثار العدوان على الحجر والاقتصاد والبشر.
فآلاف العائلات فقدت منازلها، التي تعدت، وفق الإحصاءات الأولية، نحو 15 ألف شقة ومنزل.فهل ينجح اللبنانيون في التحدي الثاني، بعدما نجحوا في الصمود أمام أعتى آلات الحرب وأكثرها تقنية وتعقيداً في المنطقة، ما لم نقل في .
بيروت ـ سهيل شهاب