اعترف ضابط من وحدة رأس الحربة من الفرقة 51 التابعة للواء غولاني (قوات النخبة) في الجيش الإسرائيلي بأن وحدته أبيدت بشكل شبه كامل أثناء معركة بنت جبيل. وأضاف الضابط أن «الوحدة التي نفذت عملية ناجحة جدا قبل أسبوعين في قطاع غزة الأعزل من دون أن يسجل في صفوفها أية إصابة، تلقت ضربة قصمت ظهرها أثناء المعركة التي شهدتها تخوم بلدة بنت جبيل اللبنانية. ونقلت الصحف العبرية عن احد ضباط الوحدة الكبار قوله إن «وحدته أبيدت تقريباً وخرجت من ساحة الفعل العسكري و جنوده يعانون من صدمة شديدة جراء الضربة التي نزلت بهم».
ووصف الضابط جنود وحدته بـ «الأغرار» الذين لم يمض على خدمتهم العسكرية أكثر من عام ونصف العام معترفاً بأنها المرة الأولى التي يخوضون فيها معركة حقيقية بهذا الزخم من النيران. ودعا ضابط كبير في الوحدة ضباط وحدة رأس الحربة إلى تخصيص جزء كبير من وقتهم وجهدهم لمتابعة شؤون الجنود الذين قد يجدون صعوبة في الاستمرار بالمهام الموكلة إليهم بعد الضربة التي تلقوها وأفقدتهم رفاقهم.
وتشكل الوحدة «ج» رأس الحربة التي تتقدم قوات «غولاني» أثناء المعارك لتحتل رأس جسر يسهل دخول القوات كونها الأكثر تدريباً واستعداداً للقيام بهذه المهمة وأخذت على عاتقها الكثير من عمليات الاجتياح والاعتقال التي نفذتها قوات الاحتلال في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة لم تخض خلالها أية معارك حقيقية تمتحن قدراتها الفعلية حتى جاءت معركة بنت جبيل لتشكل الاختبار الأول لجنود الوحدة حسب اعتراف كبار ضباطها.
ووفقاً لشهود من جنود الاحتلال نشرت اعترافاتهم وتصريحاتهم فى الصحف العبرية كانت بنت جبيل «الجحيم على الأرض ووقعنا فيه بعد كمين فائق التخطيط أعده مقاتلو حزب الله الأقوياء في بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان». وأوردت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية شهادات الضباط والجنود من لواء «غولاني» الذين شاركوا في معارك الأربعاء التي اعترفت إثرها إسرائيل بمقتل تسعة من جنودها في بنت جبيل وضابط في مارون الراس القريبة في كمين مماثل.
ومن على سريره في مركز «رامبام» الطبي في مدينة حيفا ثالث كبرى مدن إسرائيل روى الرقيب تزاتشي دودا الذي يعاني من إصابات طفيفة في الساق ناجمة عن شظية قنبلة، ما شاهده قائلاً «بدأت المعركة في الثالثة والنصف فجرا.. وبعد 10 دقائق من الاشتباكات وصلنا للمساعدة».
واستطرد دودا: «كان هناك إطلاق مكثف لصواريخ وقذائف وقنابل يدوية.. قمت بتأمين غطاء للجنود الذين حاولوا الوصول إلى المصابين وهو ما استمر لساعات.. وأخيرا، أصاب صاروخ الساحة التي كنت أقف فيها، وأطاح الانفجار بي كما فعل بالجدار الذي كنت أحتمي خلفه». واختتم حديثه بمرارة قائلاً: «في حياتي كلها لم أتوقع أبدا رؤية جثث وأشخاص مصابين بهذا الشكل».
أما الرقيب أفراهام داغان الذي أصيب بشظية في ذراعه فقال «أطلقوا جنود حزب الله النار من جميع الاتجاهات.. حاولنا الوصول إلى المصابين... كنت على وشك إلقاء قنبلة عندما أصبت بشظية. وبعد إصابتي لم أستطع أن أفعل شيئا إلا أن أنجو بنفسي». وروى العريف ليور شارابي ما حدث بقوله: «لقد كان الأمر بمثابة الجحيم على الأرض.. الجنود كانوا يخاطرون للنجاة بأرواحهم وكذلك لإجلاء المصابين والقتلى».
واعترف شارابي بأن مقاتلي حزب الله أظهروا قدرات قتالية فعالة، قائلاً «إنهم مقاتلون أقوياء.. لم يصلوا إلى مستوانا.. ولكنهم أفضل من حماس». جندي آخر أصيب خلال المعركة وصفها بأنها «كانت مريرة للغاية». وأضاف أن «الكمين الذي نصبه مقاتلو حزب الله للقوات الإسرائيلية كان فائق التخطيط، ورجال المقاومة كانوا يمطروننا بالرصاص من كل مكان حولنا».
أما الرقيب أوهيد شالوم الذي أصيب بشظية في ساقه خلال محاولة لاستعادة جثة جندي كانت ملقاة خلف باب حديدي فقال «حاولنا الذهاب واقتحام الباب لكننا فشلنا؛ فعندما أطلقت النار على الباب رآني مقاتلو حزب الله وكثفوا إطلاق النار باتجاهي وأجبروني على التراجع».
وأشار إلى أن زملاءه «بذلوا ما في وسعهم لمنع مقاتلي حزب الله من الوصول إلى جثث زملاء، كانوا يحملون جثث الجنود على المحفات بيد، فيما واصلوا إطلاق النار على الإرهابيين بيد أخرى». كما أشار إلى حالة من «الترقب والخوف التي سادت بين الجنود من المقاومة والتي منعتهم من نيل قسط وافر من النوم والراحة لثلاثة أيام متتالية». وأوضح قائلاً «أقمنا في أحد المنازل.. وكل ساعة تقريبا كنا نصحو خائفين من أن يكون شخص ما قد تسلل إلى المنزل.. وبين الحين والآخر كنا ننتقل من منزل إلى آخر من شدة الخوف».
ووصف جنود آخرون مقاتلي حزب الله بأنهم أشباح يخرجون من كل مكان، وأنهم مدرّبون بشكل عال جدا ولا يخافون. وعليه؛ فإن هناك مطالبات من ضباط رفيعي المستوى في الجيش الإسرائيلي بإعادة النظر في المعارك البرية، بسبب الخسائر الفادحة التي لحقت بالجيش، لاسيما القوات الخاصة، إضافة إلى معنويات الجنود المنهارة، والتي أدت ببعضهم إلى البكاء من شدة ما شاهدوه ويذكرون من تلك المعارك.
وتعليقاً على ذلك، أفادت «هآرتس» أن «أجواء حرب لبنان الأولى في الثمانينات تخيم على إسرائيل مع تزايد عدد القتلى والمصابين في صفوف القوات الإسرائيلية». ونقلت الصحيفة عن الدكتور ميكي هلبيرتال مدير مركز «رامبام» الطبي في حيفا الذي تلقى 22 مصابا على الأقل قوله إن «أغلب الجنود يعانون من إصابات بشظايا قنابل ورصاصات.. معظم الإصابات في الأطراف والقليل منها في الصدر والمعدة».
وقال هلبيرتال إن «أكثر تجربة مماثلة يمكن أن يتذكرها هي عندما تم استدعاؤه لإسعاف العديد من الجنود المصابين خلال حرب لبنان الأولى. حينها كانت طائرات الهليكوبتر لا تكف عن الوصول محملة بالمصابين»، مشيراً إلى أن المركز الطبي كان يعمل في ظل حالة طوارئ كاملة. وأفادت الصحيفة الإسرائيلية بأن أغلب القتلى والمصابين بجروح بالغة هم من الدفعة الأولى من القوات البرية التي حاولت دخول أحد المنازل في بنت جبيل. أما الجنود الذين يعانون من إصابات خفيفة فهم بشكل رئيسي ممن وصلوا إلى ساحة المعركة لاستعادة المصابين وجثث القتلى من الجنود التي تناثرت أشلاؤها على الأرض.
غزة ـ ماهر إبراهيم: