بدأت الشكوك في موريتانيا تحوم حول الزيارات المتكررة التي يقوم بها سنويا متطوعون من هيئة السلام الأميركية إلى البلاد، ولم تعد الدوافع الإنسانية التي يجوب تحت يافطتها هؤلاء الأميركيون مختلف مناطق ومدن وقرى البلاد النائية مقنعة لدى المواطن الموريتاني العادي
حيث يعتقد الكثير من الموريتانيين أن »رسل السلام« لديهم ممارسات وأنشطة هي اقرب إلى التجسس منها إلى العمل الإنساني، ولا يستبعدون أن تكون وكالة الاستخبارات الأميركية »سي.آي.إيه« جندتهم لجمع معلومات عن تقاليد وأعراف المجتمعات الإسلامية لمعرفة مكامن القوة والضعف داخل هذه المجتمعات.
في مدينة »أطار« عاصمة ولاية آدرار التي تبعد 350 كيلومتراً من العاصمة نواكشوط، تسكن المتطوعة الأميركية آليسون ميكي (26 عاماً)، في بيت متواضع في حي »امباركه واعمارة« الشعبي،
حيث تعيش مع زميلتها التي تعمل مدرسة للغة الإنجليزية، وتقتسم السيدتان تكاليف البيت المؤجر بخمسة عشر ألف أوقية وهو ما يعادل 50 دولاراً. وتغطي أليسون سريرها ببطانية رقيقة وغطاء متهالك تحت ناموسية دأبت على رشها بالمبيدات.
وتبدأ يومها مبكراً بالتوجه إلى مقهى الانترنت لترد على رسائلها قبل التوجه إلى المدرسة الابتدائية الواقعة في قلب المدينة لتقديم دروس في التوعية الصحية،
حيث تتفقد المزرعة الصغيرة التي أنشأتها بالساحة، ثم تمر بالمستوصف الذي تعمل حاليا على دراسة آلية للحصول على تمويل مشروع توسعته إذ ترى أنه لا يفي باحتياجات المرضى، وفي المساء تعود إلى بيتها لتنزع الخمار وتجتمع مع زملائها الأميركيين العاملين في المدينة لمشاهدة فيلم هوليوودي في سمر ليلي يصنع فيه كل متطوع عالمه الذي تركه منذ مدة.
تقول آليسون إنها كانت ترغب في الذهاب إلى الصين الشعبية، حيث تحصل على شهادة في لغة »الشانك هاي«، ستمكنها من الانخراط أكثر في المجتمع الصيني، لكن الهيئة أرسلتها إلى هذه الصحراء التي يتسبب أبناؤها أحياناً في مضايقتها بدعوتها المستمرة إلى اعتناق ديانة الاسلام، وتضيف: »انهم طيبون ويفهمون القيم التي يجب أن يتحلى بها الشخص المتدين، إنهم رائعون«.
وترى اليسون أن العلاقة مع جيرانها وصديقاتها تعكس الفهم الحقيقي لطبيعة العلاقة التي يجب أن تربط الإنسان بالآخر مهما تباينت المشارب واختلفت الديانات، والبشاشة التي أدخلتها الشابة على وجوه أطفال الحي خففت من حدة السخط الذي طبع مشاعر أهاليهم جراء قتل الجنود الأميركيين لإخوانهم في العديد من البلدان الإسلامية، وتركت انطباعاً سائداً في نفوس هؤلاء عن أن أميركا ليست كلها »مارينز«.
لكن رئيسة منظمة أطفال الصحراء الفرنسية الناشطة في أطار »جولين بوروبوا« قللت من أهمية الأنشطة التي تقوم بها المتطوعات الأميركيات قائلة »إنهم يدعون إنهم يساعدون وهم ليسوا كذلك«، وأضافت الفرنسية »بوروبورا« إن ناشطة أميركية زارت المركز الذي تعمل فيه ذات يوم،
وأبدت اهتمامها به بعد حصولها على كل المعلومات المتوفرة عن المركز »من مصادر التمويل ونظم العمل هنا ثم لم تعد لزيارتنا بعد ذلك«، وتابعت »أنا شفافة وأقوم بشرح كل شيء وفي الحقيقة هم أناس غامضون«، »إنهم فقط يريدون المعلومات كل المعلومات لكنهم لا يساعدون«.
ويرى الصحافي محمد الأمين ولد محمودي الباحث في شؤون الهيئة، والذي يعد فيلماً وثائقياً عن أنشطتها، ان هؤلاء لا علاقة لهم بالاستخبارات الأميركية وانهم متطوعون لخدمة السلام العالمي وانهم يخدمون البشرية منذ 46 سنة. وأضاف إن طقوس العمل في هذه الهيئة توحي للوهلة الأولى بأنهم عسكريون لكن المتتبع لأعمالهم يدرك أنهم يسعون إلى نشر روح التسامح والمحبة بين البشر وليس العكس.
ولم ينف ولد محمودي إمكانية اختراق المنظمة من طرف مكتب الاستخبارات الأميركية، حيث قال إن التطوع مفتوح لجميع الأميركيين ولذا فليس مستبعداً أن يدخل رسل الحرب بين رسل السلام، »
لكن ما يهمني هنا هو تأكيد حقيقة أن جل من عرفتهم هم من الديمقراطيين الأميركيين أو حماة البيئة ممن يعارضون الحرب أينما كانت، خاصة الحرب التي تستهدف الشعب العراقي بصفتها حرباً مبررة بكذبة كبيرة انطلت على الجميع«، »وهذا ما يراه رسل السلام«.
نواكشوط ــ بشير ولد ببانه