سلط تقرير لمنظمة »أطباء بلا حدود« الأضواء على عشر من الكوارث الإنسانية التي تجاهلها الإعلام خلال العام الماضي، محذراً من كوارث بشرية مدمرة إذا لم يُقدم المجتمع الدولي يد العون للتغلب على هذه المآسي وأغلبها ناتج عن المواجهات المسلحة لأسباب سياسية أو إثنية أو دينية.
وكان بين الكوارث العشر مأساتان تطالان بلدين عربيين هما: السودان والصومال حيث الأعمال العسكرية لا تزال متواصلة إلى جانب تفشي الأمراض الفتاكة. ففي ما يتعلق بالسودان، أوضح تقرير »أطباء بلا حدود« أنه بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة والجيش الشعبي لإنهاء الحرب الأهلية تضاءل الاهتمام الإعلامي بالظروف المعيشية القاهرة التي يعيشها أبناء المناطق التي تضررت خلال الحرب التي دامت 20 عاماً.
وتحدثت المنظمة عن حالات طوارئ طبية تم تسجيلها خلال العام المنصرم ناتجة عن اندلاع اشتباكات بين فينة وأخرى وعلى الأخص حول ملكال وأعالي النيل، فضلاً عن عودة أعداد هائلة من اللاجئين إلى المناطق المزودة جزئياً بالرعاية الصحية أو المنعدمة كليا.
ونظراً للانهيار الكلي تقريباً للبنية التحتية في البلاد فقد أصبحت الرعاية الصحية الأساسية صعبة المنال لدى الكثيرين الذين لم يتمكنوا من الحصول على اللقاحات اللازمة لمنع انتشار الأمراض كالحصبة أو علاج الأمراض المستوطنة كالملاريا والسل،
ويضطر الكثير من المرضى إلى المشي لأيام للوصول إلى المستشفى التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في أكوم في بحر الغزال والتي تعد المستشفى الوحيدة العاملة في المقاطعة بأكملها. كما تؤمن أطباء بلا حدود العلاج من الكالازار في المناطق الواقعة في أعالي النيل بالإضافة إلى معالجة مرض النوم في غرب الاستوائية.
ونظراً لاعتماد ستة ملايين شخص على المعونات الغذائية، فإن عدداً كبيراً من العائلات معرضة لمشكلات غذائية حادة. وأوضح التقرير أن انقطاع المطر المتزامن مع عودة عشرات الآلاف من النازحين واللاجئين من البلدان المجاورة أدى إلى تدهور الوضع الغذائي المتردي في المنطقة، وقامت منظمة أطباء بلا حدود خلال هذه السنة بمعالجة آلاف الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد في مناطق أعالي النيل وفي جونقلي وبحر الغزال.
وتشير التقديرات إلى أنه من المتوقع، في منتصف عام 2006، عودة ما بين نصف المليون إلى مليون شخص إلى جنوب السودان ولم تتم بعد التحضيرات الكافية لعودتهم، ما قد يؤدي إلى تفاقم الوضع المتردي الذي يواجهه الناس في المناطق المحدودة الموارد ذات البنية التحتية المنهارة.
أمّا فيما يخص الصومال، فأشارت »أطباء بلا حدود« إلى وضع كارثي في ضوء الحرب التي استمرت 14 عاماً إلى انهيار الأنظمة الصحية العامة وإلى غياب كلي لخدمات الرعاية الصحية. كما قامت الجماعات المسلحة بنهب وإحداث أضرار جسيمة في العيادات والمستشفيات، فيما قدرت الأمم المتحدة توفر 4 أطباء و28 ممرضاً أو قابلة لكل 100 ألف شخص.
ويضطر العديد من المرضى إلى السفر لمسافة 800 كيلو متر للوصول إلى إحدى المراكز الطبية. وتتوقع المنظمة ان يواجه حوالي مليوني شخص في جنوب الصومال نقصاً حاداً في المخزون الغذائي خلال الأشهر الستة المقبلة نتيجة قلة تساقط الأمطار في المنطقة العام الماضي في واحدة من أسوأ موجات الجفاف.
ورسم تقرير »أطباء بلا حدود« صورة سوداء للوضع الإنساني في الصومال، فأكثر من طفل من بين عشرة مواليد جدد يموت فور ولادته بينما يموت نحو أربعة من الناجين مع بلوغهم سن الخامسة.
أمّا بالنسبة للكوارث الأخرى، فيشير التقرير إلى أن العالم يجهل منذ سنين ما يعانيه الملايين من الكونغوليين من العنف والحرمان مع استمرار عمليات القتل في ضوء استمرار القتال بين الحكومة والفصائل المسلحة للسيطرة على الموارد الطبيعية. وتفيد الإحصاءات بوجود معدلات مذهلة لوفيات الأطفال وحالات سوء التغذية الحاد.
وفي الشيشان، يحاول المدنيون المتضررون من القتال القائم بين القوات الروسية والجماعات الشيشانية المسلحة، التغلب على وطأة الصراع المنهك الذي تركهم بلا مأمن أينما ساروا.
وينقل التقرير عن ممرضة من منظمة أطباء بلا حدود القول إنه »في الوقت الحالي هناك إحساس مطلق باليأس وفقدان الأمل«، مشيراً إلى أن الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية للشيشانيين تبقى محدودة بينما تسيطر الفوضى على كل أنحاء الشيشان.
وعن هاييتي، تقول المنظمة إن الجماعات المسلحة تقتل الناس عمداً فيما ينتشر العنف الناتج عن دوافع سياسية أو إجرامية بسرعة في أنحاء العاصمة بور أوبرانس.
ويقول رئيس بعثة المنظمة في هاييتي علي بيسناسي »إن المدنيين في مختلف أرجاء بور أوبرانس يصارعون من أجل البقاء.. إن مستوى العنف وصل إلى حد لم يسبق له مثيل من قبل«. ويشير التقرير إلى معاناة إنسانية في شمال شرقي الهند وكولومبيا وشمال أوغندا وساحل العاج بسبب الصراع الديني أو العرقي.
ويفرد تقرير »أطباء بلا حدود« مساحة واسعة لمرضى نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) المصاب به أكثر من 40 مليون شخص ويموت بسببه سنوياً ثمانية آلاف بينهم 1400 طفل،
حيث يشكو التقرير من الافتقار إلى الأساليب الجديدة للبحث والتطوير في وسائل التشخيص والعلاج الخاصة بالمرضى الذين يعيشون في الفقر والحرمان وينتمون إلى الدول النامية، فعلى سبيل المثال، يتطلب تشخيص مرض الإيدز لدى الأطفال تقنية عالية، ولذلك نجد أن عدداً قليلاً من الأطفال يحصلون على علاج لمدى الحياة، بينما يموت النصف الآخر في العام الثاني لولادتهم،
أما إذا تم تشخيص المرض في الوقت المناسب، فليس هناك أساليب طبية خاصة بالأطفال تمكنهم من تناول العلاج الثلاثي لمضادات الفيروس الارتجاعية بطريقة سهلة كما هي متوفرة للكبار.
ويضيف أن الحد من انتشار الوباء يتطلب استثمارات مستدامة للاختبارات التشخيصية المحددة لمرض السل، وهو المرض الأكثر فتكاً للمصابين بالإيدز، بالإضافة إلى الوسائل التي يحتاجها الأطباء لمعرفة فشل العلاجات واستبدالها بأنواع من الأدوية أكثر تأثيراً، مع توفر جو من الود والألفة حتى لا يشعر المريض بزيادة مقدار جرعات الدواء في المرحلة الثانية،
ولا يستطيع المرضى المصابون بالإيدز في الدول النامية الحصول على العقار الجديد »العلاج الثنائي« المتوفر للمرضى في العالم المتقدم. وينتهي التقرير إلى التحذير من أن يؤدي الافتقار إلى وسائل البحث والتطوير لتشخيص الإيدز وعدم توفر الأدوية في المناطق الفقيرة، إلى كارثة مدمرة.
دبي ــ نضال حمدان