بات الاختيار الأوحد بالنسبة إلى بعض العراقيين هو: إما خطر مميت أو فقر مدقع، وهناك نحو 150 أسرة فرت من العنف الطائفي إلى الهدوء النسبي في مدينة النجف تواجه مجموعة من المشكلات: البطالة والخدمات المنهارة والمساكن الكئيبة. فبعد تلقيهم تهديدات بالموت أو العثور على جثث أقارب ذبحوا على أيدي خاطفين في بلدات مضطربة مثل اللطيفية وتلعفر وأبو غريب بحثوا عن الأمان في المدينة الجنوبية المقدسة عند الشيعة، لكن سرعان ما وجد الكثيرون أنفسهم في قاعدة عسكرية قديمة استخدمت يوما لتدريب جنود صدام حسين دون كهرباء أو مياه، وانتهى الأمر بالبعض الى ان يقتات من مقالب النفايات حول المعسكر السابق الذي يقع خارج النجف.
وحتى الحياة الجديدة الكئيبة في النجف قد لا يكون لها مستقبل. وتقول العائلات ان السلطات تهدد بإجلائهم عن القاعدة العسكرية ومقالب النفايات. ومنازل المهجرين عبارة عن أكواخ من مخلفات مقالب النفايات على أطراف النجف التي نجت من عمليات إراقة الدماء التي تمسك بخناق وسط العراق. وعثر المحظوظون على مواد بناء ليضعوا أسقفا فوق حوائط إسمنتية متداعية. ومع ذلك فان بعض المنازل المؤقتة بلا أسقف أو بأسقف من قطع من الخشب لا تحمي من الأمطار، وليس لدى آخرين أغطية وملاءات بينما يقترب فصل الشتاء.
ويتساءل الآباء كيف يمكن أن ينتظم أطفالهم في المدارس اذا ما اجبروا على الرحيل ثانية. وقالت أم أحمد البالغة من العمر 45 عاما: »تركنا منزلنا منذ ثمانية أشهر عندما كان الشيعة يذبحون في اللطيفية. طالبت مجموعة تطلق على نفسها الجهاديين كل الناس هناك بالرحيل في اليوم التالي وإلا فسيقتلوننا جميعا«. وأضافت: »حولتنا الحكومة إلى مجلس المدينة الذي يتهمنا بالتعدي على الملكية العامة ويقولون إن منازلنا يجب أن تزال. لدينا عشرة أطفال .. أين يمكنني أن أصحبهم«.
وقال علي حكيم (13 عاماً) من بلدة المحمودية ان المسلحين »تركوا خطابات تهديد بالقتل لنا وقالوا أنه ينبغي أن نغادر«، فيما أوضح عامل البناء عبد الله الفطلاوي: »كنت أعيش في اليوسفية وتم خطف أخي وهو سائق سيارة أجرة ثم عثرنا على جثته بعد ثلاثة أيام بالقرب من نهر... وخوفاً من ان يحدث ذلك لنسائنا قررنا الرحيل. أعيش هنا مع أسرتي المكونة من تسعة أفراد. ليس هناك كهرباء او مياه اشتكينا ولم يستجب أحد. يقولون إننا ارتكبنا انتهاكات«.
ووعدت القوات الأميركية التي أطاحت بصدام العام 2003 بالمساعدة في بناء عراق جديد ينعم بالديمقراطية والرخاء الاقتصادي، ويفترض أن تكون النجف التي تلقت الملايين من مساعدات الإعمار منذ أن كانت مسرحاً للقتال في أغسطس 2004 نقطة مضيئة للحكومة التي يقودها الشيعة، لكن بدلا من ذلك وجدت البلاد نفسها تنزلق نحو حرب أهلية. (رويترز)