اتهم رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي الألماني ديتليف ميليس في تقريره النهائي الذي سلمه إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في وقت متأخر الخميس الجهاز الأمني اللبناني والسوري بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ملمحاً إلى تورط فلسطيني أيضاً في الجريمة.

وأشار إلى أن الصورة الكاملة للاغتيال يمكن رسمها فقط من خلال تحقيق موسع وذي مصداقية يجرى بطريقة مفتوحة وشفافة ترضي الدقة الدولية. وطالب باستجواب سوريين «خارج سوريا» وأوردت إفادة شاهد أشار إلى ضلوع ماهر شقيق الرئيس السوري بشار الأسد وصهره اصف شوكت في العملية.

وقال التقرير «إن المدعو «أبو عدس» لم يكن له أي دور في اغتيال الحريري، واستُخدم للتمويه».وأكد التقرير أن صهر الأسد أجبر «أبو عدس» على تسجيل شريط الفيديو الذي تبنى فيه تنفيذ العملية، وأرسله إلى جميل السيد رئيس الأمن العام في لبنان، ليتم بثه بعد الحادث بساعات.

وقالت اللجنة نقلا عن شهود إن سيارة الميتسوبيشي التي استخدمت في الاغتيال دخلت لبنان من سوريا وشوهدت في مركز للاستخبارات السورية في لبنان قبل ثلاثة أيام من التفجير.

وجاء في التقرير «خلصت اللجنة إلى أن عدم إبداء الحكومة السورية تعاونا جوهريا مع اللجنة أعاق التحقيق وجعل من الصعب متابعة بعض الخيوط التي أبرزتها الأدلة التي تم جمعها من مصادر مختلفة».

وتابع التقرير بهذا الصدد انه «من الأساسي من أجل استكمال التحقيق ان تبدي الحكومة السورية تعاونا كليا مع السلطات التي تجري التحقيق، بما في ذلك السماح بإجراء الاستجوابات خارج سوريا وبدون ان يكون المستجوبون برفقة مسؤولين سوريين».

وذكر التقرير إفادة شاهد سوري مقيم في لبنان قال انه عمل لدى الاستخبارات السورية وأكد انه «بعد نحو أسبوعين من إقرار مجلس الأمن الدولي القرار 1559 قرر ماهر الأسد (شقيق الرئيس الأسد)، وحسن خليل وبهجت سليمان وجميل السيد وهم مسؤولون لبنانيون وسوريون كبار، اغتيال رفيق الحريري».

وأضاف الشاهد أن «جميل السيد توجه مرات عدة إلى سوريا للتخطيط لهذه الجريمة، وعقد لقاء في فندق ميريديان في دمشق ولقاءات عدة في القصر الرئاسي وفي مكتب شوكت المسؤول الأمني الرسمي السوري».

وتابع أن «الاجتماع الأخير عقد في مكتب شوكت المسؤول الأمني الرسمي السوري نفسه قبل نحو سبعة إلى عشرة أيام من الاغتيال وضم أيضاً مصطفى حمدان وهو مسؤول امني لبناني آخر. وأوضح التقرير انه «كانت للشاهد علاقات وطيدة مع ضباط سوريين كبار يتولون مهمات في لبنان».

ونقلت اللجنة في تقريرها عن نفس الشاهد انه «زار العديد من القواعد العسكرية السورية في لبنان، وفي إحدى هذه القواعد في بلدة حمانا (المتن الأعلى) شاهد سيارة فان ميتسوبيشي بيضاء غطي جزؤها الخلفي بشادر ابيض». وأضاف التقرير نقلا عن الشاهد ان «هذه المشاهدات حصلت أيام 11 و12 و13 فبراير 2005، وغادرت الميتسوبيشي القاعدة العسكرية في حمانا صباح 14 فبراير (يوم الاغتيال)».

وتابعت اللجنة نقلا عن الشاهد ان «سيارة الميتسوبيشي التي وضعت فيها المتفجرات دخلت لبنان من سوريا عبر الحدود في البقاع وعبرت خطا عسكريا في 21 يناير 2005 وتحديدا عند الساعة 20: 13، وكان يقودها عقيد من اللواء العاشر في الجيش السوري».

ونقلت اللجنة في تقريرها عن شاهد آخر هو زهير محمد الصديق الذي «تحول لاحقاً مشتبها فيه» انه «أعطى بدوره معلومات عن سيارة الميتسوبيشي ورجح ان سائقها كان مواطنا عراقيا دفع إلى الاعتقاد ان الهدف كان رئيس الوزراء العراقي (آنذاك) إياد علاوي (الذي صودف وجوده في بيروت قبل الاغتيال)».

وأضاف التقرير «ان الصديق اعلم بأنه تم استخدام مادة تي ان تي ومواد متفجرة أخرى لتوجيه الشبهات نحو الجماعات الإسلامية المتطرفة، كون هذا النوع من المتفجرات استخدم فقط في عمليات في العراق».

وجاء في التقرير نقلا عن الصديق انه «قام برحلة إلى مخيم في الزبداني (في سوريا) حيث شاهد سيارة الميتسوبيشي يعمل عليها ميكانيكيون ويملأون ابوابها بالمتفجرات التي وضعت أيضاً تحت مقعد السائق». وفي مطلع يناير 2005، أبلغ أحد كبار الضباط اللبنانيين هذا الشاهد، أن رفيق الحريري هو مشكلة كبرى لسوريا. وبعد شهر تقريباً، أبلغ الضابط نفسه الشاهد أن زلزالاً سيحدث قريباً وسيعيد كتابة تاريخ لبنان.

وأشار التقرير في ثلاث فقرات (101 و105 و191)، إلى النائب ناصر قنديل، وذلك استنادا إلى ما صرح به «شاهد من أصل سوري يعيش في لبنان، يدعي أنه عمل لصالح أجهزة الاستخبارات السورية في لبنان»، بحسب الفقرة الرقم 96، والى الصديق بحسب الفقرة 105.

في الفقرة الأولى، أوضح التقرير إن «أولئك الذين علموا بالجريمة مسبقا، هم بين أشخاص آخرين، ناصر قنديل والجنرال علي الحاج». وفي الفقرة الثانية، أوضح التقرير أن «إحدى المسائل الرئيسية التي أثارتها إفادة السيد الصديق، كانت تقريرا قال إن ناصر قنديل أعده.

هذا التقرير يشير إلى أن السيد الحريري ومروان حمادة التقيا في سردينيا. في نهاية التقرير، أشار قنديل إلى انه يتعين اتخاذ قرار بالتخلص من السيد الحريري. عهد إلى ناصر قنديل بأن يخطط وينفذ حملة تستهدف تدمير سمعة السيد الحريري على المستويين الديني والإعلامي...».

وفي الفقرة الثالثة، أشار التقرير إلى رقم هاتفي مدفوع مسبقا يحمل الرقم 925152/03 (تم ذكره في الفقرة الرقم 190)، أوضح أنه كان على اتصال مع أرقام أخرى تملكها شخصيات لبنانية وسورية، بينها رقم هاتفي كان على اتصال دائم بالرقم الخلوي الذي يعود إلى ناصر قنديل.

وأشارت الفقرة 101 من التقرير إلى أن «الجنرال جميل السيد، بحسب الشهود، تعاون بشكل وثيق مع الجنرال مصطفى حمدان والجنرال ريمون عازار في الإعداد لعملية اغتيال السيد الحريري. كذلك نسق مع الجنرال غزالي (وبين آخرين، مع أشخاص على صلة بالسيد احمد جبريل في لبنان)...».

وقال شاهد إن حمدان تحدث عن الحريري فذكره بسوء شديد واتهمه بأنه موال لإسرائيل. وقال الشاهد إن حمدان ختم المحادثة بقوله «سوف نرسله في رحلة. وداعا وداعاً يا حريري».

وتحدث التقرير مطولا عن دور المشتبه به الشيخ احمد عبد العال، المسؤول في جمعية الأحباش. وأشار التقرير إلى أحمد عبد العال عضو جماعة الأحباش الإسلامية المتشددة في لبنان، والتي لها روابط تاريخية قوية بالسلطات السورية، بوصفة شخصية مهمة في مؤامرة الاغتيال حيث استخدم هاتفه المحمول مع «كل الشخصيات المهمة في هذا التحقيق».

وأضاف التقرير أنه جرت اتصالات عديدة بين عبد العال وأمن الدولة اللبناني يوم الانفجار، بما في ذلك العميد فيصل رشيد رئيس أمن الدولة في بيروت وآخرين. وقال التقرير إن محمود شقيق عبد العال «أجري مكالمة قبل الانفجار بدقائق إلى الهاتف المحمول للرئيس اللبناني».

يُذكر أن جماعة الأحباش تمكنت من السيطرة على جمعيات ومراكز ومساجد في لبنان، وأوصلت عددا من المرشحين إلى مجلس النواب اللبناني. وقد ذكر التقرير انه «إذا كانت السلطات السورية، بعد تردد في البداية، قد تعاونت إلى حد ما (...) فإن عددا من الأشخاص الذين تم استجوابهم حاولوا ان يضللوا التحقيق». كما أكد ان «الرسالة التي وجهها إلى اللجنة وزير الخارجية في الجمهورية العربية السورية فاروق الشرع تبين انها تتضمن معلومات مغلوطة».

وجاء في التقرير أنه «بعد استجواب شهود ومشبوهين في سوريا، والتأكد من ان بعض الطرق تقود مباشرة إلى مسؤولين في الأمن السوري في الاغتيال، يتعين على سوريا ان توضح جزءا كبيرا من المسائل التي لم تحل». ويقع تقرير ميليس في 54 صفحة ويرتكز على 400 مقابلة ومراجعة ستين ألف وثيقة تشير «إلى تورط سوريا ولبنان في هذا العمل الإرهابي». ويذكر أن ثلاثين من المحامين والمحققين الجنائيين من 17 دولة ساعدوا ميليس في إعداد التقرير.

بيروت ـ «البيان» والوكالات: