أجمع المحللون السياسيون والخبراء القانونيون السوريون على افتقار تقرير ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري لأدنى الشروط المهنية الجنائية مؤكدين وقوعه في فخ التسييس الذي تسعى الولايات المتحدة الأميركية من خلاله لتشديد الضغوط على دمشق.
وبينما طالب كاتب معارض بضرورة الالتفات إلى الشأن الداخلي السوري وإنجاز ما تم تأجيله من مهام التغيير الديمقراطي والانفتاح على المجتمع والقوى الحية، شدد المحللون على أن المؤامرة بدأت على لبنان وسوريا مع اغتيال الحريري وأن الهدف من كل هذا استهداف سوريا كنظام ممانع للسياسة الأميركية ويشكل جبهة مواجهة للمشاريع الأميركية والصهيونية للهيمنة على المنطقة العربية.
ورأى الدكتور جورج جبور عضو مجلس الشعب السوري وأستاذ القانون في الجامعات السورية أن ميليس «أخطأ إذ نشر تقريراً غير مستكمل وكان عليه أن يؤجل تقريره إلى حين استكمال التحقيق أو إلى حين إنهاء مهمته وبما أنه ذكي كما يقال فمعنى هذا أنه نشر تقريره الآن كي يمهد لعمل يقوم به مجلس الأمن على أساس هذا التقرير».
ووجه جبور رسالة «للقيمين على الأمم المتحدة وأول القيمين الرئيس الأميركي والمتحالف معه في هذا الموضوع الرئيس الفرنسي.. أقول لهما بصفتي رئيساً للرابطة السورية للأمم المتحدة ليس من الحكمة السياسية أن تصدر قرارات عن مجلس الأمن بناء على هذا التقرير وليس من الحكمة أن تصدر أي قرارات عن مجلس الأمن بشأن الموضوع السوري اللبناني بعد هذه الضجة التي أثارها القرار.
وأقول لهما أيضاً ليس من الحكمة السياسية أن يفقد العالم ثقته بالأمم المتحدة وأن تبدو الأمم المتحدة وكأنها في عامها الستين قد أحيلت إلى التقاعد كمنظمة دولية والتحقت في خدمة الدبلوماسية الأميركية. التقرير غير مستكمل وليست نقطة مضيئة في تاريخ المحقق ميليس إصداره لهذا التقرير قبل أن يستكمل».
وقال جبور: «أحب عبر جريدة «البيان» أن أوجه سؤالاً قانونياً لميليس -وقد كنت قاضي تحقيق عندما كان هو على مقاعد الدراسة- هل فعل ما فعل لجهل بالقانون أم عليه ضغوط سياسية أو ضغوط على جيبه أما أنا فأفضل له الخيار الأول».
من جانبه أكد الدكتور جاسم زكريا أستاذ القانون الدولي في جامعة دمشق عدم وجود جديد في هذا التقرير قياساً على المعلومات التي قيلت ونشرت عبر وسائل الإعلام. وقال: «هذه المعلومات أكدت منذ البداية وجود إرادة وتوجه لجر سوريا إلى مواقف سياسية مجيرة لصالح توجه سياسي محدد ضد سوريا».
واعتبر زكريا أن هذا التقرير يمثل لعبة بحجم لعبة الدمار الشامل التي استهدفت العراق لاستهداف سوريا».
وأشار إلى أن «التقرير يبتعد عن الأصول القانونية التقليدية فهناك نواظم للتحقيق الجنائي الدولي مثل مرحلة السرية والقرائن القانونية ولذلك لم يكن هذا التحقيق جنائياً أو مهنياً».
وخلص إلى أن «القانون الدولي الجنائي تم تغييبه منذ البداية ولا يمكن الحديث عن تحقيق نزيه في إطار مسيس وفي إطار سيناريو معد مسبقاً».
إلى ذلك اعتبر إلياس مراد رئيس تحرير صحيفة البعث أن المؤامرة على سوريا ولبنان بدأت باغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ومن غير المنطقي وجود أطراف سورية ولبنانية يمكن أن تؤذي نفسها.
وأكد مراد أن «التقرير جملة وتفصيلاً يستند إلى افتراءات على سوريا، وهناك خداع للرأي العام الدولي حيث أنه بني على أحاديث سمعناها من أشخاص معينين ونشرت في الصحافة اللبنانية والعربية والدولية».
واعتبر أن هذا التقرير نوع من «الضحك على الدقون حيث تقديم مسائل مبسطة مثل موضوع اتفاق كل الجهات التي تحدث عنها التقرير جماعة الأحباش والأجهزة الأمنية والجبهة الشعبية القيادة العامة».
وأعرب مراد عن ثقته بأن «سفراء دول معينة في لبنان هم الذين ساهموا في توجيه هذا التقرير، وهناك قوى تريد استخدام التقرير لكي تبقى سوريا ولبنان ضمن إطار التدخل الدولي ضمن إعادة تشكيل المنطقة وفقاً للمصالح الأميركية».
من جهته اعتبر الكاتب المعارض أكرم البني أنه «بغض النظر عن دقة التقرير مهنياً أو ما يمكن أن يوظف بالمعنى السياسي، المسألة الأهم بالنسبة لي كيف نواجه ما يجري، هل بالعودة إلى الشعارات الإيديولوجية على مهام لا نملك القوى لمواجهتها، أم بنقل مركز ثقل اهتمامنا إلى الداخل السوري والعمل على إنجاز ما تم تأجيله من مهام التغيير الديمقراطي والانفتاح على المجتمع والقوى الحية؟»..
واعتبر البني أن بناء البيت المعافى داخلياً هو الذي يمكّن المجتمع السوري من مواجهة التحديات».وقال: «في حال ثبت بالملموس أي إدانات لأشخاص فالمطلوب أن يخضعوا للمحاسبة من أجل تكريس مبدأ الحق والدفاع عن الحق بشكل من أشكال مقاومتنا لما يمكن أن يعترض البلاد».
وأكد البني ضرورة أن يتوجه النظام وجهة جديدة نتيجة تعرض سوريا لضغوط كبيرة، لافتاً إلى أن الداخل يمكن أن يصبح مركز الثقل الآن، عبر البدء بمحاربة الفساد ووقف أعمال القمع واعتقال النشطاء السياسيين.
دمشق ـ تيسير أحمد: