بأخلاق الفارس والجندي الحقيقي الذي لا يسعى خلف أضواء الشهرة الكاذبة، يكشف قائد الفرقة الثانية في الجيش المصري ابان حرب أكتوبر، وسفير مصر في لندن فيما بعد الفريق حسن أبو سعدة ، سرا مضى عليه 32 عاما، غير عابئ بأن الإعلام كرس له الحق في التغني ببطولة اعتقال واسر أشهر أسير إسرائيلي في حرب أكتوبر وهو العقيد عساف ياجوري، وينسب أبو سعدة الحق لصاحبه المجهول. احد ضباط فرقته.
يصمم الرجل على أن يكشف الحقيقة: «أود أن أقول للأجيال الحالية التي لم تعش حرب أكتوبر، ولم تعرف عنها شيئا أن المصريين البسطاء هم الذين صنعوها.. لا عبدالناصر ولا السادات هما اللذان حققا نصر أكتوبر، وإنما الجندي المصري.. القائد السياسي يأخذ القرار، وقد يكون هذا القرار صحيحا أو غير صحيح، وفي حرب أكتوبر كان التحدي هو كيف سيتم تنفيذ قرار الحرب بالشكل الصحيح »..
يضيف أبو سعدة بنبرة تحدي وكأنها تعيده إلى أجواء الحرب التي كان أحد أبطالها : «كان تنفيذ القرار يحتاج إلى عدة خطوات صعبة.. عبور قناة السويس.. هزيمة الجيش الإسرائيلي المحصن على الشاطئ الشرقي لقناة السويس.. ثم تدمير قوات العدو الإسرائيلي، ورغم ضخامة هذه الأهداف وصعوبتها، إلا أن كل هذا كان يقابله عقيدة بداخلنا لا تتزعزع وهي.. أن الارض المحتلة أرضنا..
وهي شرفنا، ومهما كان الثمن الذي سيقدمه الإنسان المصري فلا يمثل شيئا أمام أغنى ما يملكه هو ارتباطه بأرضه وكرامته وكل ذرة تراب فيها».يصمت الرجل قليلا، ثم تخرج كلمات مكتوبة بحنين بالغ : «الجيش المصري كان مليئا بالأبطال، وهم كثيرون، لكنه يعز علي أنني لم أعد أتذكر كثيراً من الابطال الذين قدموا حياتهم فداء للوطن».
من هذه النقطة تحديدا يخرج أبو سعدة بما اختاره من البداية بالحديث عن الجندي البسيط الذي صنع النصر وكان له الفضل الحقيقي في أسر عساف ياجوري.. يقول منفعلا : «كنت قائد الفرقة الثانية، ولم أقبض على عساف ياجوري بيدي.. كان هناك ضابط صغير تحت قيادتي، لا أتذكر اسمه الآن هو الذي قبض عليه. وأبلغني بما أنجزه فكتبت تقريرا جيدا عنه، وطالبت له بوسام..
أود منكم عبر صحيفة «البيان » أن تصحح هذه المعلومات والتأكيد على أن من قبض على عساف ياجوري ضابط مصري كان تحت قيادتي.. أي أنني لم أقبض عليه بيدي».. ويفسر أبو سعدة هذا المعنى بقوله : «قبضت على عساف بعقلي»، ويزيد في تفسيره «عندما كنت أدير معركة الفرقة الثانية ودعمها بأكثر من 20 ألف مقاتل.. كان التحدي أمامي وأمام قائد ناجح هو كيف يكسب ثقة القوات فيه،
ويكسب الثقة المطلقة العمياء التي تسمح بأن تمر قراراته إلى قلوب وعقول رجاله الذين يعملون معه بسلاسة شديدة، أي لابد أن يسيطر على القوات التي تعمل معه بعقله وقلبه، وهذا هو الفارق بين الحرب والعمل في شركة.. والضابط الذي قام بأسر عساف ياجوري كان ضمن هؤلاء الذين سعيت إلى كسب ثقتهم فأعطى كل ما عنده، وأظهر هذا فيما فعله مع عساف ياجوري».
هل أسر عساف ياجوري أفاد العسكرية المصرية في شيئ ؟.. التقط أبو سعدة السؤال ليوضح من خلاله قضايا عدة.. يقول : «عندما يتم القبض على أسير تبلغ القيادة الأعلى فورا بمكانه ورتبته واسمه وهذا الأسير يخضع لإستجواب تدريجي حسب تحركه إلى مركز تجمع الأسرى، ويقابل أولا قائد فرقة، ثم قائد لواء، ثم يدخل على مركز تجمع الاسرى.
وهذه أسرار لا يجب الحديث عنها بالتفصيل، وعندما يخبر أحدهم أن هذا الأسير له أهمية خاصة، يتم إبلاغ القائد الأكبر فورا، أو إبلاغ مركز تجميع الاسرى، فإذا ما كان رتبة عسكرية مهمة أو يشغل منصبا يهمنا معرفة معلومات منه، تكون هناك إجراءات خاصة وعساف ياجوري كان برتبة عقيد،
وهي رتبة ليست كبيرة، لكننا نحن الذين صنعنا له هذه الضجة في مصر بوصفه أقدم رتبة عسكرية تم أسرها في الحرب، ورغم هذا يعتبر عملا يحسب للعسكرية المصرية، ويسعدني وأفخر بأن رجال فرقتي الثانية هم الذين قاموا به، وليس أنا كشخص.. لا تنسبوا هذا الفضل إلى حسن أبو سعدة.. وإنما لأصحابه الحقيقيين.. فأنا لا أساوي شيئا إلى جانب ما قدمه أبطال الجيش المصري.
القاهرة ـ ماجدة معمر