كانت الأوامر قد أعطيت للفريق اللوجستي في قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان للبدء في تفكيك المنشآت العائدة للجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في منطقة المونتفردي في جبل لبنان، والتي كان تم انجازها في بداية عمل اللجنة في يونيو الماضي. وبدأ الفريق الدولي فعلا بالتحضير لهذا الأمر، لكن أوامر مفاجئة صدرت بالتريث وعدم تفكيك أي منشأة قبل الرابع والعشرين من أكتوبر، وهو الموعد المحدد أصلا لإنهاء عمل لجنة التحقيق الدولية.

هذه الإجراءات الدولية ترافقت مع حالة ارتباك عاشتها الساحة اللبنانية خلال الأسبوع المنصرم بخصوص لجنة التحقيق الدولية وموعد انتهاء مهمتها في لبنان واحتمال تمديد هذه المهمة. وبدأ الارتباك بعد اجتماع مطول عقده وزير العدل اللبناني شارل رزق مع رئيس اللجنة القاضي الألماني ديتليف ميليس في حضور كبار القضاة اللبنانيين المعنيين بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري.

فما تسرب عن الاجتماع المذكور أظهر أن مهمة اللجنة لم يتم انجازها، وأن التقرير النهائي يحتاج إلى المزيد من الوقت باعتبار انه لم تتوفر لدى اللجنة أدلة حسية ودامغة بشأن تورط أية جهة في عملية اغتيال الحريري. والواقع أنه كلما اقترب موعد التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية، كلما ازدادت الساحة اللبنانية توترا. فاللبنانيون والسوريون على السواء يعدون العدة لما بعد الواحد والعشرين من أكتوبر، وهو اليوم الذي وعد ميليس بأن يعلن فيه تقريره النهائي.

وعليه كان من الطبيعي ان تزداد وتيرة التكهنات والتوقعات والتسريبات في وسائل الاعلام اللبنانية والعربية والدولية. ولأن ميليس يحتفظ كما يبدو بمضمون تقريره الحقيقي ويكتفي بإعطاء إشارات معبرة، بدا واضحا حجم التناقض في المعلومات المتداولة عن هذا التقرير، ليس فقط بين وسيلة إعلامية وأخرى، بل أحيانا بين يوم وآخر في الوسيلة الاعلامية الواحدة. وقد انخرطت في بث هذه المعلومات وسائل إعلامية دولية بينها صحف ألمانية ووكالات أنباء عالمية.

وعلى خلفية هذا التقرير المرتقب، كانت جلسة مجلس الوزراء اللبناني الخميس الماضي ساخنة إلى حد الغليان، تبادل فيها رئيس الجمهورية إميل لحود والوزراء الصراخ والزعيق والضرب على الطاولة والكلمات النابية، بحسب أكثر من وزير حضر الجلسة. ولم يكن هذا الواقع ناجما عن خلاف على المواضيع المطروحة في الجلسة، وبينها التعيينات في المراكز الأمنية العليا، بل من اتفاق على عدم الاتفاق على أي شيء قبل تقرير ميليس.

فما من طرف لبناني مستعد لتقديم أي تنازل للطرف الآخر قبل هذا التقرير، لأن الكل يعتقد أن مرحلة ما بعد التقرير أيا كان مضمونه ستكون مرحلة مختلفة بكل المعايير والمقاييس والعناصر، وعندها يمكن لكل طرف أن يرسم خطته للمرحلة المقبلة ويفرض بالتالي معاييره ومقاييسه التي تتناسب مع توجهاته.

لكن أجواء التمديد لمهمة لجنة التحقيق حتى منتصف ديسمبر المقبل، يبدو أنها فرضت واقعا جديدا على البلاد، أملى على الأطراف اللبنانيين الاتفاق على تسوية للقضايا المختلف عليها، فكان هناك اجتماع مفاجئ الأحد الماضي بين رئيسي الجمهورية والحكومة إميل لحود وفؤاد السنيورة، انتهى إلى اتفاق على التعيينات الأمنية المجمدة منذ بداية الصيف، باعتبار أنه من المستحيل تجميد البلاد حتى نهاية السنة، وإبقاء أجواء التوتر سائدة على النحو الذي شهدته خلال الفترة المنصرمة.

وعلى هذه القاعدة قدم الفرقاء المعنيون تنازلات متبادلة لتيسير الأمور بانتظار تقرير ميليس الذي يقال إنه سيرفعه هذا الشهر لكنه لن يكون حاسما وجازما. إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن الأطراف المعنية دخلت أو أدخلت البلاد في مرحلة من التهدئة. إنها مجرد مساكنة قسرية بانتظار التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية، ينبئ بذلك حجم النيات المبيتة بين هذه الأطراف، وتحديدا بين لحود وفريقه من جهة وتيار «المستقبل» ومؤيديه من جهة أخرى.

وسط هذه الأجواء والمعطيات تبدو الساحة اللبنانية في أقصى حدود الارتباك والضياع. فالتصريحات والمعلومات المتناقضة التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام يوميا، تفرض ظلالا من الشك على تقرير ميليس أيا كان مضمونه، وقبل أن يولد. وقد نجحت الأطراف اللبنانية في خلق هذا المناخ الذي سيظل سائدا بالتأكيد حتى بعد الإعلان عن التقرير.

وهذا في حد ذاته سينتج بلبلة واسعة في صفوف الرأي العام اللبناني الذي بدأ يلهج بمقولة أن التحقيق الدولي دخل مرحلة التسييس، يساعد على ذلك التحرك الإقليمي والدولي القائم بشأن سوريا. وعليه لم يعد الحديث عن تفاصيل التحقيق الدولي في سلم الأولويات لدى الرأي العام اللبناني .

بل اكثر من ذلك فان الحديث عن صفقة إقليمية دولية يجري ترتيبها هو السائد الآن. ومن هنا ثمة من يتوقع ان يكون تقرير ميليس في الواحد والعشرين من الشهر الجاري ضبابيا إلى الحد الذي يجعل تمديد مهمته حتى آخر السنة امرا مفروغا منه. وهذا يعني تمديد الأزمة في لبنان مع كل ما يترتب على هذا التمديد من سلبيات على كل القطاعات في لبنان.

واصف عواضة