أدلى الجزائريون بأصواتهم أمس في استفتاء على ميثاق السلم والمصالحة الذي يتضمن عفواً جزئياً عن مئات المتشددين الإسلاميين في محاولة لإنهاء صراع بدأ منذ 13 عاما وأودى بحياة أكثر من 150 ألف شخص. وشهدت مراكز الاقتراع الممتدة في 48 ولاية جزائرية إقبالاً جماهيرياً متصاعدا من قبل المقترعين.
وتتهم أحزاب المعارضة بوتفليقة باستخدام الاستفتاء لتعزيز قبضته على البلاد. وتقول جماعات حقوق الإنسان إن العفو سيخفي انتهاكات ارتكبها الجيش والإسلاميون.ويعرض الميثاق عفواً عن المتشددين المحتجزين أو الفارين أو الذين يحملون السلاح لكنه يستثني من شاركوا في مذابح واسعة النطاق. كما يطلب من الشعب أن يعفو ويطوي صفحة ما يصفه الرئيس بأنه «مأساة وطنية».
واندلعت أحداث العنف في الجزائر بعد أن ألغى الجيش انتخابات تشريعية متعددة الأحزاب كانت «الجبهة السلامية للإنقاذ» على وشك الفوز بها عام 1992.وتقدر السلطات عدد المتمردين بين 800 و1000 وان كان بضع مئات فقط هم الذين يحملون السلاح ويقاتلون ضد قوات الأمن. وفي ذروة القتال في منتصف التسعينات شارك ما يصل إلى 25 ألف رجل في التمرد.
ويقلل كثير من الجزائريين العاديين من أهمية الاستفتاء قائلين إن رفع مستوى المعيشة أكثر أهمية من العفو عن الإسلاميين الباقين.وذكر المتقاعد محمد معمر الذي كان ينتظر الإدلاء بصوته في حي باب الواد الفقير في العاصمة الجزائر لـ «رويترز»، «إنني أريد المصالحة في هذا البلد. وآمل أن يتغير الموقف إلى الأفضل وأنا سأصوت لأنني أثق في بوتفليقة».
أما «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» فهي منقسمة بشأن إذا ما كانت ستؤيد الخطة أم لا.وبالنسبة لجبهة الإنقاذ المحظورة صرح عبد الكريم ولد عدة أحد قياديي الجبهة بأن هناك اتصالات بين السلطات الجزائرية وبين قياديي الجبهة بالخارج، معتبرا أن مضمون هذه الاتصالات ونتائجها لا يجب أن يكون مادة للإعلام والصحافة.
وقال ولد عده في حديث لصحيفة «البلاد» اليومية الجزائرية إن تأييده لميثاق السلم والمصالحة الوطنية هو خيار مبدئي وثابت وليس خيارا تكتيكيا تمليه حسابات السياسة. وأضاف إنه يرفض مقايضة مبدأ استرجاع السلم والاستقرار للجزائر بأي مطلب آخر قد يفوت الفرصة التاريخية السانحة حاليا للشعب الجزائري والمتمثلة في ميثاق السلم والمصالحة.
واعترف ولد عدة بأن «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» انتهت تنظيميا، وقال إن عودتها بشكلها وتركيبتها القديمة أمر مستحيل لما عرفته الساحة حاليا من تطورات مضيفاً إننا مع الشعب الجزائري وعودة السلم والأمن. وأوضح أن الأولوية الآن تكمن في الدفع بصفحة الماضي نحو «الطي والكتمان» والقضاء على جذور الأزمة ومعالجة انعكاساتها على كل المستويات معالجة نهائية.
وأجمعت قيادات الأحزاب السياسية المختلفة في الجزائر على أن هناك تجاوبا كبيرا من الشعب تجاه التصويت بنعم على مشروع الميثاق.وأعرب قادة أحزاب «جبهة التحرير الوطني» و«حركة الإصلاح الوطني» و«العمال» في بيانات صحافية أمس عن اعتقادهم بأن نسبة المشاركة في الاستفتاء ستتعدى 80 في المائة وأن الشعب سيصوت بنعم في حدود هذه النسبة أيضا.
من جهته دعا رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر أبو جره سلطاني أمس إلى ضرورة تطهير الإدارة من المرضى أيديولوجيا وسياسيا.. مؤكدا أن أولى أولويات الجزائر فيما بعد الاستفتاء هو استعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وأجهزتها وإداراتها.وقال سلطاني في بيان صحافي إن «الضامن لحسن تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية هو رئيس الجمهورية صاحب المشروع وراعيه الأساسي».
وعن القوانين التي سيتمخض عنها ميثاق السلم والمصالحة، قال سلطاني إن عشرين قانوناً على الأقل سيتم إقرارها عقب الاستفتاء.. مؤكداً مشاركة حركته في صياغة القوانين المجسدة له.كما انتقدت أحزاب المعارضة حملة وسائل الإعلام الحكومية التي دعت إلى التصويت «بنعم» وقال وزراء إن الذين يعارضون الميثاق هم ضد السلام. وتم اعتقال أعضاء حزب صغير في الاسبوع الماضي بعد أن دعا إلى مقاطعة الاستفتاء.