أمام زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا أنجيلا ميركيل فرصة نادرة لتحقيق إنجازين تاريخيين في خطوة واحدة. فمع اقتراب الانتخابات التشريعية الألمانية الأحد المقبل يبدو المستشار الحالي غيرهارد شرودر في حاجة إلى معجزة للبقاء داخل مقر المستشارية، ومن ثم فإن ميركيل موعودة بأن تصبح أول سيدة ألمانية تدير الشؤون من ذلك المقر وستصبح في الوقت نفسه أول شخصية سياسية من ألمانيا الشرقية ـ سابقاً ـ تشغل المنصب الحكومي في برلين.

غير أن المعجزة التي يحتاج إليها شرودر لا تبدو مستحيلة وإن كانت صعبة وفق كل التوقعات التي تستبق عملية الاقتراع. رغم ان الاستطلاعات تضع الحزب الديمقراطي أمام الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه شرودر بفارق نقاط عدة إلا ان هناك من لا يستبعد تقدم المستشار الحالي إلى الأمام في اللحظات الحرجة من المعركة الانتخابية ذلك انه لا يزال نحو 30% ممن يحق لهم التصويت في حيرة من أمرهم فلم يحسموا خيارهم الأخير بين الحزب الديمقراطي والحزب الاشتراكي.

والواقع ان معظم الألمان في حالة التباس إزاء هذه الانتخابات التي يعتبرونها الأكثر إرباكاً فرغم أن المسألة الاقتصادية تجسد محور المعركة الانتخابية، إلا ان الصورة التي ترسمها برامج الحزبين الكبيرين في المنافسة لا تبدو واضحة المعالم، بحيث يستقطب أي منهما إعجاب أو دعم الناخبين، بل يجب القول إن تلك الصورة في برامج الحزبين لا تنال رضا الناخبين على النحو الحاسم.

الاقتصاد الألماني في حالة ركود أو هو أقرب للتدهور وجيش البطالة يتضخم، إذ يبلغ نحو خمسة ملايين وهو رقم يستدعي للذاكرة الألمانية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يعد لدى الحزب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة شرودر من الأوراق ما يغري الألمان بالرهان عليه فالعمليات الإصلاحية التي نفذها شرودر لم تحدث ما يشجع على التفاؤل على نقيض ذلك أمسى التشاؤم هو الغالب،

وقد تعرض الحزب إلى سلسلة من الضربات في الانتخابات التي جرت في الولايات كان آخرها خسارة فادحة في ولاية فيستفاليا التي ظلت في قبضته 39 عاماً، تلك الخسائر المتلاحقة كانت الدافع الذي حمل شرودر لتبكير الانتخابات التشريعية الأسبوع المقبل بسنة قبل موعدها المقرر.

ذلك القرار لم يكن محط إجماع داخل الحزب الاشتراكي نفسه. فبينما يؤمن فريق من أنصار الحزب بصوابية الإجراء يعتقد عدد من القياديين أن شرودر لجأ إلى ذلك الخيار هرباً من الحلبة السياسية التي لم يعد يحتمل البقاء فيها ومن ثم فإن هؤلاء يرون أن خسارة الحزب في انتخابات الأسبوع المقبل مسألة حتمية بكل المعايير.

لكن هناك ممن هم داخل الحزب وخارجه لا يزالون يراهنون على كسب المعركة لأسباب عدة، التجربة أثبتت أن شرودر جواد رهان قادر على تحقيق الفوز في المنعطفات الأخيرة للسباق. فقد كان متأخراً في الترتيب في انتخابات العام 2002 حتى قبيل أيام من موعد الاقتراع فواتاه الحظ وحسب تعبير وولفغانغ فابوست المعلق السياسي في محطة «إن دي آر» الذي قال «تلقى شرودر مساعدة من الحرب والمطر»

وكان المعلق التلفزيوني يشير بذلك إلى موقف شرودر الرافض تجاه حرب بوش في العراق وموقفه إثر الفيضانات التي غمرت ألمانيا وسط عدد من الدول الأوروبية آنذاك. غير أن كسب المعارك السياسية لا يكون بالتعويل على الآلهة إنما بالرهان على حصد أصوات الناخبين الذين فقدوا الأمل في إصلاح الحال مع استمرار سياسات الاشتراكيين الحالية.

ومما يزيد الصورة قتامة أن الحزب الاشتراكي لم يطرح برنامجاً جديداً بل اعتبر مهمته مواصلة ما بدأ تنفيذه على طريق الإصلاح. حصيلة الاشتراكيين في السنوات السابقة لم تستحوذ على دعم الألمان الذين لم تعد رواتبهم تعينهم على مواجهة أعباء الحياة.

* خيار صعب

في المقابل يلوح الحزب الديمقراطي المسيحي ببرنامج إصلاحات شاملة «تستهدف صالح الاقتصاد الألماني ومستقبله ولا ينشغل بتحقيق مكاسب سياسية آنية» حسب قول ميركيل في لقاء في مدينة بوتسدام قبل أيام عدة قالت فيه «نحن لا نعد بما لا نستطيع» مجسدة بذلك استيعاباً حقيقياً لسياسية تربت في مدرسة هلموت كول التي تركز على المدى البعيد،

غير أن برنامج الديمقراطيين يتضمن إجراءات قاسية على صعيد الرعاية الاجتماعية وفرض ضرائب جديدة وتشكل هذه الإجراءات مرحلة من برنامج متكامل غايته بلوغ ضرائب منخفضة. رسم هذا البرنامج بول كيرشهوف الذي يعتبر وزير مالية ميركيل بعد خروجه من الظل إلى العلن.

صحيح أن كل الشعب الألماني يشعر برغبة حقيقية في التغيير لكن معظم الناخبين ليسوا واثقين من أن برنامج الديمقراطيين سيحقق ذلك التغيير المطلوب كما أن قطاعاً عريضاً منهم يتشكك في قدرة أنجيلا ميركيل على الوفاء بالوعود التي يتضمنها البرنامج ومن ثم فإن هؤلاء وأولئك يغلب عليهم التردد إزاء التصويت لصالح ميركيل ويعتقد كثير منهم أن الشيطان الذي تعرفه أفضل مما لا تعرفه.

هذا بالضبط ما يشكل هامش الالتباس الذي يعيشه الألمان قبيل الانتخابات المرتقبة. لا أحد يجزم بأنه من الممكن ردم مسافة من الهوة بين الأثرياء والفقراء أو إنهاء إخطبوط البيروقراطية أو تعزيز المرونة داخل سوق العمل ونشر مظلة الضمان الاجتماعي على نحو يشجع الألمان على زيادة معدل الإنجاب وهو معدل يوازي نصف ما كان عليه الحال في منتصف ستينات القرن الفائت حسب اعتراف ميركيل.

* غول إعلامي محبب

عندما يقطع رجل ببصيرة الدكتور ستيفن سيمونس محرر الشؤون الخارجية في مجلة بثقل «دير شبيغل» اليقين قائلاً «الأقرب أننا سنرى امرأة في منصب المستشار» فلا بد أن تعيد النظر في حالة الالتباس الغالبة على الناخبين الألمان فمثل هذا الرجل لا ينطق بما لا يعلم «نحن في حاجة إلى التعبير، هذا أكيد، الوضع الاقتصادي يتطلب معالجة من نوع آخر، ربما يكون في برنامج الديمقراطيين ما يشجع على الأمل،

من المؤكد أن ميركيل تمثل حافزاً باعتبارها امرأة، لكني أرجو ألا يكون اختيارها لكونها فقط أنثى». من مقر تلك المجلة ذات الصيت الذائع يفتح لنا الدكتور سيمونس كوة على الجانب الشخصي في المعركة الانتخابية بين أنجيلا ميركيل وشرودر وهو جانب بالغ الأهمية إذ إنه نافذ التأثير في الحملات الدعائية لكسب المعركة.

معروف عن شرودر أنه سياسي بارع إذ يجيد المناورة بالمرونة حين يقتضي الأمر وبالصلابة حين يستدعي الموقف وهو صاحب كاريزما يعرف كيف يستثمرها في البؤرة الإعلامية،، لذلك لم يكن هناك من يراهن على خسارته في المواجهة التلفزيونية الأسبوع الماضي مع منافسته واستطاع بالفعل أن يحرز نقاط تقدم لصالحه عقب تلك المناظرة بل إن الديمقراطيين باتوا ليلتها فرحين لأن ميركيل لم تتعرض إلى خسارة فادحة في ذلك اللقاء الذي شهد تجربتها الأولى في هذا المجال.

كما أن براعة شرودر الإعلامية جعلت الديمقراطيين يرفضون مسبقاً عرضاً بجعل المناظرة التلفزيونية مرتين واكتفوا بالمواجهة الوحيدة فهم يعترفون بأن الرجل غول إعلامي. ويتمتع شرودر بشخصية محببة، فمع أنه تزوج أربع مرات، إلا أن ذلك لم يؤثر على مكانته القريبة إلى القلوب الألمانية وسط النساء، بل إن الناخبات المتقدمات في العمر يعتبرن شرودر بمثابة الابن الذي يمكن أن يخطئ ولا يسبب أذى، حسب رواية المعلق التلفزيوني وولفغانغ، ولذلك يعتبرن تعدد زيجاته خطأ وليس خطايا.

* امرأة بلا جاذبية

في المقابل، فإن أنجيلا ميركيل التي تقف على عتبة الخمسينات، تفتقد بشعرها الرمادي جاذبية الأنثى التي تفتح لها القلوب وفق رؤية المعلق التلفزيوني نفسه الذي يقول إنها امرأة تميل إلى العزلة ولها أصدقاء محدودو العدد وتفتقد إلى مميزات القيادي المتفرد بينما تواجه خصماً يصعب إيجاد بديل له.

ومع أنه يمكن استيعاب بروز امرأة في الصف الأمامي لقيادة حزب في ألمانيا الشرقية السابقة، إلا أن بلوغ سيدة زعامة حزب في ألمانيا الموحدة، حيث يهيمن الرجال على الصفوف الأمامية فإن ذلك يؤكد أن ميركيل تتمتع بقوة معتبرة في العقل ونسيج الشخصية.

يتضح ذلك في أن ميركيل ترفض العزف على كونها أنثى في حملتها الدعائية. ويرى وولفغانغ أنها لا تراهن على ذلك أو أنها لا تعرف كيف تغفله، إذ يوجه المعلق التلفزيوني انتقادات ساخرة لطريقة الزعيمة المحافظة في اختيار ثيابها وتصفيف شعرها.

ويعزو الرجل نفسه نجاحها السياسي إلى رد فعل على موقف عائلي فيروي أن أباها أوجز رأيه فيها عندما كانت صبية بأنها فتاة فاشلة لن تستطيع إكمال شيء أو تحقيق نجاح، ومن ثم انصب تركيزها على تحقيق نجاح دون الاهتمام بالأناقة ومتحدية في الوقت نفسه أباها.

وبغض النظر عن صدقية رواية المعلق التلفزيوني، فإن ميركيل لا ترغب في التركيز على انتمائها إلى «الشرق» إبان حملتها الانتخابية. فالعزف على هذا الوتر ربما يصبح نشازاً يفضي إلى نتيجة عكسية نهايتها الخسران. فألمانيا تحاول بعد التوحيد مغالبة روح الانشطار والمستشار منصب يرمز بالتأكيد إلى الوحدة والحديث عن الجذور في هذه المرحلة سيثير رد فعل مضاداً على الطرف الآخر.

* نجاح منقوص

إذا حافظت أنجيلا ميركيل على تقدمها الحالي وفق استطلاعات الرأي العام ولم تحدث معجزة لصالح شرودر فإن زعيمة الديمقراطيين ستصبح أول امرأة تشغل منصب المستشار في ألمانيا وهي أول سياسية تنتمي إلى الشطر الشرقي ينال ذلك الشرف، لكن من المؤكد كذلك أن ميركيل تحتاج هي الأخرى إلى معجزة لتنفذ برنامجها المطروح، ففي حالة نجاحها المتوقع فإن الديمقراطيين لن يحصلوا على الأغلبية التي تتيح لميركيل تشكيل حكومة منفردة.

هذه المعركة الانتخابية أقرب إلى إنهاء ائتلاف شرودر ـ فيشر المعروف بائتلاف «الحمر والخضر» ومؤشراتها تمنح الحزب الديمقراطي «الأسود» مقاعد أكثر من غيره داخل البوندستاغ (البرلمان) لكنه سيحتاج إلى حليف لتشكيل حكومة جديدة، عندئذ ربما يجد الديمقراطيون أنفسهم مضطرين للائتلاف مع حزب الديمقراطيين الأحرار «الأصفر»

فيحل ائتلاف «السود والصفر» مكان «الحمر والخضر» وثمة احتمال ضئيل لتشكيل «ائتلاف برتقالي» قوامه الأخضر والأحمر الفاقع وهو حزب اليسار الجديد حديث التشكيل إلى جانب الأسود. غير أن الخيار الأكثر سوءاً أمام ميركيل هو أن تجد نفسها لا تملك سوى تشكيل ائتلاف مع الاشتراكيين بزعامة شرودر، تلك حالة استثنائية لم تعرفها ألمانيا منذ أيام هيلموت شميدت في سبعينات القرن السابق. ذلك هو الجمع بين المتناقضين، ولذلك لن يكون خياراً سيئاً على ميركيل وحدها، بل على كل ألمانيا.

بما أن نحو ثلث الألمان لم يقرروا بعد خيارهم الانتخابي المفضل وفي ضوء تأرجحهم بين الإبقاء على شرودر في مقر المستشارية والرهان على تحسين الوضع الاقتصادي حسب خطته غير المجدية حالياً أو استبداله بالمرأة المنافسة في ظل مخاوف من تداعيات برنامجها الإصلاحي الذي يراه الكثيرون مغامرة غير محسوبة العواقب،

فإن قرار الحسم يبدو بأيدي منظمي استقراءات الرأي العام الذين سيميل معظم الناخبين إلى نتائجهم التي تسبق يوم الاقتراع بقليل وهؤلاء هم صناع القادة الحقيقيون في لعبة الديمقراطية الحالية خاصة في مثل الظروف الألمانية، فهذه الاستطلاعات هي الأكثر تأثيراً على تشكيل الرأي العام ولا أحد يجزم بمدى صدقيتها، لكن لا أحد ينكر قوة انعكاساتها.

برلين ـ عمر العمر