تشير النتائج الأولية غير الرسمية إلى أن الرئيس مبارك حقق فوزاً كاسحاً في الانتخابات الرئاسية في مصر يوم الأربعاء 7 سبتمبر. وأعلن جمال مبارك مدير الحملة الانتخابية للرئيس فوزه باكتساح. وسريعاً ما ستركز وسائل الإعلام التابعة للدولة على هذه الفكرة، وتكررها إلى حد أن تصبح حقيقة غير قابلة للمنازعة. والأرجح أن تؤكد النتائج الإحصائية الظاهرة هذه النظرية.
والواقع انه إذا اكتفى أنصار الرئيس مبارك بهذه النظرية، فإنهم سيخطئون خطأ كبيراً في قراءة نتائج ورسائل مهمة للغاية في نمط التصويت الظاهر ومظاهره المسكوت عنها في الوقت نفسه.ويجب بالطبع أن ننتظر النتائج الكاملة للانتخابات حتى نستطيع قراءة جميع هذه الرسائل. ولكننا نستطيع أن نقرأ بالفعل بعض هذه النتائج أو الرسائل المسكوت عنها مما نشر بالأمس في جريدة «الأهرام» القاهرية تحت عنوان «ملامح غير رسمية لنتائج انتخابات الرئاسة».
أول وأهم هذه النتائج أن معدل التصويت لأربع عشرة محافظة توفرت عنها معلومات أولية متكاملة قريبة من 27% فقط من إجمالي المسجلين في الكشوف الانتخابية. ويعنى ذلك أن أكثر قليلاً من ربع المسجلين هم الذين أدلوا بأصواتهم. وحتى لو وصل هذا الرقم إلى نسبة الثلث فان النتيجة الواضحة هي أن ثلثي المصريين لم يصوتوا في أول انتخابات تنافسية لأهم منصب سياسي في البلاد.
وقد نستطيع أن نخصم من هذه النسبة نحو عشر المصريين الذين يعيشون في الخارج والذين تقدرهم الأرقام الرسمية بثلاثة ملايين مصري من أصل 32 مليون مسجلين في الكشوف الانتخابية. كما يجب أن نخصم من هذه النسبة أرقاماً غير معروفة لأصحاب الظروف الخاصة (المعاقين)، ونسبة لا بأس بها من المصريين وهم أشد الناس فقراً وأمية وبعداً عن الاهتمام بالحياة العامة بكل مستوياتها، ولا يستطيع أحد شدهم شداً للإدلاء بأصواتهم.
كما نستطيع أن نخصم من هذه النسبة عناصر كثيرة لم تسعفهم ظروفهم الحياتية اليومية الذهاب إلى مراكز الاقتراع. وبالمقابل فإن نسبة عالية لا تقل عن ربع المصريين البالغين والمستحقين لم يسجلوا أنفسهم في كشوف الانتخابات. ويعنى ذلك إجمالاً أن ما لا يزيد بحال على ثلث المصريين الذين تسمح لهم قدراتهم بالتصويت لم يجدوا سبباً وجيهاً للذهاب إلى مراكز الاقتراع.
ووفقاً للمؤشرات التي نشرتها جريدة «الأهرام» فإن الرئيس مبارك يتجه للفوز بنسبة قد لا تقل عن 88% من أصوات من أدلوا بأصواتهم، وهو بالتأكيد فوز كاسح ولكن بأصوات نسبة منخفضة من المصريين. ويجب أن نضيف لذلك ما تؤكده مختلف المصادر التي رصدت الانتخابات الرئاسية في 7 سبتمبر أنه كان ثمة تلاعب واضح وواسع النطاق بعملية التصويت.
وأن نسبة لا بأس بها من المصوتين لم يحضروا بأنفسهم للتصويت، وإنما صوت البعض بالنيابة عنهم. وتشكل هذه الحقائق تحفظاً مهماً للغاية على نظرية الفوز الكاسح. فبعد أربعة وعشرين عاماً من الحكم المطلق وبالرغم من السيطرة الكاملة لجهاز الدولة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية في مصر لم يستطع الرئيس مبارك أن يلهم أكثرية المصريين أو يدعوهم لمناصرته بتصويت إيجابي.
ويضاعف من هذه المشكلة حقيقة أخرى تخرس الأرقام عندما تصل إليها وهي نوعية التصويت والخلفيات الاجتماعية للمصوتين. فالطبقة الوسطى في المدن الكبيرة، وهي الطبقة التي قادت المشروع القومي المصري خلال قرن من الزمن اختفت تماماً تقريباً عن مراكز الاقتراع. ويعنى ذلك أن الرئيس مبارك خسر الطبقة الوسطى، أو على الأقل خسر حماسها. وربما تكون هذه هي أهم مشكلاته السياسية على الإطلاق.
وتعتقد الطبقة الوسطى أن النظام السياسي ككل لم يعد يمثلها، ولذلك فهي لا تكترث بالتصويت رغم أنها الطبقة الأكثر تأهيلاً للمشاركة في حكم البلاد بفضل مستوياتها التعليمية والمهارية الكبيرة. ويتكامل مع هذه الحقيقة أن من صوت في هذه الانتخابات هم فقراء الريف والمدن الخاضعون لسيطرة الطبقة السياسية الحاكمة وجهازها البيروقراطي ونفوذها الاقتصادي: أي الطبقة العاملة والفلاحين. وتعد هذه الحقيقة أكثر مفارقات الواقع أهمية.
د. محمد السيد سعيد