اختلطت الأوراق مجددا على صعيد رئاسة الجمهورية في لبنان بعد أن بشر الكثير من أركان «السلطة الجديدة» بأن آخر رمز للنظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك وهو رئيس الجمهورية إميل لحود أصبح على قاب قوسين أو أدنى من السقوط. ولم تقتصر المفاجأة على التمديد الجديد لولاية لحود، بل تجاوزته إلى الاعتبارات التي أعادت تعويم لحود وأسبغت على ولايته التي طعن في مشروعيتها منذ «فرضها« قبل عام، شرعية سياسية ودورا يبدو أن لا احد غيره يستطيع تأديته باعتراف خصومه.

ومن هذه الاعتبارات: تقدم الحديث في الكواليس السياسية عن اتجاه لدى بعض قوى 14 مارس التي تشكل الغالبية النيابية عن تزكية شخصية عسكرية كبيرة لخلافة لحود في حال اختصار ولاية الأخير الممددة وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وأثار هذا الطرح اعتراض قوى أخرى ضمن التحالف تتحسس من وصول عسكري مرة أخرى إلى سدة الرئاسة من دون وجود أدنى ضمانة لعدم التعرض للطبقة السياسية التي ذاقت الأمرين في السابق إلى درجة محاولة شطبها وإلغائها على حساب تقوية نفوذ الجنرالات في الحياة السياسية والاقتصادية ومختلف المرافق العامة.

كذلك استحالة إسقاط لحود وانتخاب خلف له، من دون توافق جميع الطوائف المكونة للمجتمع السياسي على الأمرين حفاظا على صيغة التوازن التي تحكم لبنان ويؤدي أي إخلال بها إلى نسف التركيبة الحاكمة المتوافق عليها في اتفاق الطائف، وبالتالي تأجيج التصادم السياسي الذي يكون في العادة مقدمة لنزاع أخطر عاشه لبنان في حقبات عدة من تاريخه.

أما قائمة المعترضين على إسقاط لحود فتطول، وهي تبدأ بالبطريرك الماروني نصر الله صفير مرورا بالنائب ميشال عون وقوى مسيحية أخرى وصولا إلى حزب الله وحركة أمل، علما أن لكل طرف حساباته السياسية والطائفية.ولا ينحصر الاعتراض على مسألة إسقاط لحود فقط، بل يتجاوزها إلى تسمية البديل، وبالتالي صعوبة الاتفاق بين هذه الأطراف والأطراف الأخرى المنضوية في تحالف 14 مارس على شخصية تحظى بتأييد كل هؤلاء.

يضاف الى ذلك اعتبار بعض القوى وعلى رأسها «حزب الله» أن لحود يشكل رأس الحربة في مواجهة الشق الداخلي من القرار 1559 الداعي إلى نزع سلاح الحزب والمنظمات الفلسطينية المقيمة في لبنان. ومن دون أن يجحف المرشحين الآخرين لخلافة لحود هذه الميزة، ولكن بدرجة أقل تجعله حذرا من المخاطرة والرهان على شخصية أخرى مرتبطة بحسابات سياسية خصوصا بعد المستجدات التي شهدتها الساحة اللبنانية أخيرا، وأبرزها الحضور الغربي الفاعل في الشؤون الداخلية.

وانطلاقا من هذا العامل، كبح حزب الله الذي نزهته لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري عن الشائعات التي تحدثت عن تورطه فيها، التوظيف السياسي لتطورات التحقيق الدراماتيكية التي تمثلت باعتقال قادة الأجهزة الأمنية السابقين وقائد لواء الحرس الجمهوري، في المعادلة السياسية الداخلية،

لترتيب أوضاع لم تنضج ظروفها بعد، خصوصا أن لحود خرج، حتى الآن على الأقل، بريئا من التهم التي وجهها إليه خصومه السياسيون حول ضلوعه في الجريمة أو في أدنى تقدير مسؤوليته عن الأجهزة الأمنية التي اتهمت بهذا الفعل.كذلك فإن الموقف الفرنسي من سوريا أعطى جرعة معنوية للحود الذي دفعت دمشق نحو التمديد له بالرغم من معارضة المجتمع الدولي لهذا القرار.

من كل هذه المعطيات يبدو أن لحود كما أكد في أكثر من مناسبة وبالرغم من العواصف السياسية العاتية التي هبت في وجهه، ماض في إكمال ولايته الممددة حتى آخر يوم، مستفيدا من التناقضات الكثيرة في جبهة المعارضة من جهة، والحاجة الإقليمية للنظام السوري من جهة أخرى.

بيروت ـ حسين حمود