انعقدت الجمعة الماضي الجمعية العمومية المتواصلة لنادي القضاة لاتخاذ موقف من التطورات الخاصة بالمطالب التي كانت الجمعية تبنتها كشرط لمشاركة القضاة في الإشراف على الانتخابات العامة وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية الراهنة. وتتعلق هذه المطالب بضمانات أساسية لتمكين القضاة من ضمان نزاهة الانتخابات.

وكانت هذه المطالب وضعت الدولة أمام اختيار صعب للغاية بين مواصلة تقاليدها القديمة في التطبيق الشكلي لنص المادة 86 من الدستور المتعلقة بالإشراف القضائي الكامل ومن ثم معارضة مطالب القضاة الذين يتمتعون باحترام قومي عام وشامل، أو الامتثال لمطالب تؤدى إلى حرمان جهاز الدولة والنخبة السياسية الحاكمة ككل من إمكانية السيطرة على العملية الانتخابية، وهو ما يمثل مخاطرة كبيرة بنتائج تتناقض مع مصالح هذه النخبة.

ولكن تلك المطالب نفسها وضعت القضاة بدورهم في اختيار صعب للغاية. وربما يمكن القول بأن الاختيار الذي وضع القضاة المصريون نفسهم أمامه ليس مجرد قرار مهني، رغم أهمية هذا البعد بذاته، بل وليس قراراً سياسياً على أهمية هذا البعد بدوره. فالاختيار الحقيقي يتجاوز ذلك كله إلى مستوى أعلى وأهم بكثير لأنه قريب من اختيارات القدر،

أو الاختيارات الكبرى التي صنعت الدراما الإنسانية. انه الاختيار بين الضعف الإنساني الذي يدفع البشر لتحقيق مصالحهم المادية اليومية من ناحية، وقوة الروح والإرادة الضرورية لصنع تاريخ جديد للمهنة المقدسة للقاضي، بل وصنع تاريخ جديد للأوطان والمجتمعات وبالتضحية بالمصالح الخاصة من ناحية أخرى.

القرار مهني بكل تأكيد. وهدفه هائل وعظيم وهو وقف التلاعب بالقضاء وتوظيفه لمصالح سياسية حاكمة، وترجمة ما نص عليه الدستور من فصل بين السلطات وضمانات الاستقلال التام للسلطة القضائية. وينعكس هذا القرار على الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات العامة كما نص الدستور، وعلى خلاف ما جرت عليه التقاليد السياسية لثورة يوليو في ما يتعلق بدور القضاء الشكلي البحت في إدارة الانتخابات العامة،

وهى التقاليد أو الممارسات التي أحكمت سيطرة الإدارة الأمنية والسياسية والإدارية على الانتخابات النيابية بمختلف مستوياتها. ولا شك أن صمود القضاة اليوم أمام الضغوط العاصفة التي تدعوهم للتخلي عن هذه المطالب كشرط للقيام بالإشراف على الانتخابات الرئاسية سيصنع تاريخاً جديداً للسلك القضائي. وهو يكاد يكون الرد الحقيقي لاعتبار القضاة المصريين بعد عقود من التهميش والتلاعب.

وهو قرار سياسي لأن القضية تتعلق بحسم طبيعة عملية الإشراف على الانتخابات بين السلطتين القضائية والتنفيذية. ولا شك أن الأخيرة احتكرت السلطة الشاملة في مصر منذ عام 1952، جزئياً من خلال تهميش السلطة القضائية التي لا تملك فعلياً ووفقاً للتشريعات المعمول بها سوى سلطة معنوية، قد يقع احترامها وقد لا يقع حتى في ما يتعلق بأبسط مظاهر السلطة وهى تطبيق الأحكام الصادرة عن المحاكم بمختلف مستوياتها.

إذ أن تطبيق هذه الأحكام يبقى معلقاً بإرادة السلطة التنفيذية وخاصة الجهاز الأمني، وهو ما انتهى إلى تطبيق اختياري، إذ تطبق أحكام معينة بينما تبقى آلاف الأحكام من دون تنفيذ. وتبدو المشكلة من الناحية الشكلية كما يلي: إن التحالف الفعلي أو التداخل والتخالط بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يؤدي عملياً إلى إضعاف شديد لقدرة السلطة القضائية على فرض احترام دورها المستقل.

وكان من الواضح أن ثمة تناقضاً محتدماً بين الإشراف القضائي الشكلي على الانتخابات العامة من ناحية وأحكام القضاء التي أكدت عدم سلامة العمليات الانتخابية في عشرات من الدوائر. وليس من الممكن حل هذا التناقض إلا من خلال تطبيق توصيات المؤتمر الأول للقضاة ومطالب جمعيتهم العمومية الراهنة.

ولكن على أهمية الجوانب المهنية والسياسية فان الموقف الذي تعين على القضاة المصريين أن يحسموه أول من أمس يتعلق بالقدر بأكثر منه بالقضاء، أو بالدراما الإنسانية أكثر منه بالسياسة أو حتى بالدستور. فالقضاة المصريون لا يسيطرون على شروط حياتهم المادية. وهم إن اختاروا الاستمرار في مقاطعة الانتخابات الرئاسية الراهنة يخسرون عشرات الآلاف من الجنيهات التي تحتاجها أسرهم حاجة شديدة.

بل قد يتعرضون لخسارة معنوية كبيرة بما في ذلك احتمال التعرض لإهانات مهنية شديدة، فضلاً عن النتائج المدمرة للفرز بين قضاه متعاونين يحصلون على امتيازات كبيرة وآخرين يواصلون طريق الشوك. وهذا هو بالضبط ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية حين تجاهلت اللجنة المعنية بالإشراف على الانتخابات الرئاسية الراهنة مئات من القضاة واستبعدتهم من مهمة الإشراف، وهو ما يحرمهم من المقابل المادي الكبير، بسبب لا يمكن إنكاره وهو موقفهم القوى داخل الجمعية العمومية للنادي.

وفوق ذلك عرضت اللجنة مئات آخرين للإهانة المهنية بأن سكنتهم في مواقع إشرافية تحت سيطرة زملاء أقل منهم في المكانة القضائية. وكان هناك ثلاثة اختيارات. الأول هو التراجع عن القرارات السابقة للجمعية بقبول الصياغات التي طرحتها الحكومة وهى أقل كثيراً مما طالبوا به.

والثاني هو الاستمرار في رفض الإشراف على الانتخابات الرئاسية بعد أيام، وهو ما قد يؤدي إلى شبهات كبيرة جداً على نتائج هذه الانتخابات التي تتم في غيبة عدد كبير من القضاة وتحرم هؤلاء في الوقت نفسه من المزايا المادية والمهنية المرتبطة بالمشاركة. أما الاختيار الثالث فهو الأخذ بحل وسط، وهو ما قررته الجمعية بوضع شروط مخففة تركز على عودة المستبعدين وهو ما يعني عملياً تأجيل الوفاء بمطالبهم كاملة إلى ما بعد هذه الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً ما يتعلق بإصدار قانون جديد للسلطة القضائية.

د. محمد السيد سعيد