أمضى وزير شؤون اللاجئين الفلسطينيين عباس زكي أسبوعين في لبنان.، ذلك أن أي مسؤول فلسطيني من حركة «فتح» لم يسبق له أن ضج به الإعلام اللبناني طيلة أسبوعين، حتى بلغ به الأمر أن يزور بعض القيادات اللبنانية نفسها مرتين وأكثر أو أن يجري مقابلتين مع وسيلة إعلامية واحدة.
وثمة جانبان للزيارة، الأول فلسطيني والثاني لبناني، فضلاً عن جانب ثالث غير أساسي، لجهة الاستفادة من بيروت المنبر الإعلامي، العربي والعالمي. في الجانب الفلسطيني، يأتي عباس زكي إلى بيروت بالتزامن مع بدء تنفيذ خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.
ثمة إجراءات لا بد من تمحيصها وفحصها سياسياً، نظراً إلى الوزن الديموغرافي والسياسي والعسكري الذي يشكله ملف الوجود الفلسطيني في لبنان. فإذا كانت حصيلة اتصالات الأميركيين واللبنانيين أثمرت تبريداً للساحة الجنوبية بالترافق مع الانسحاب،
فان السلطة الوطنية الفلسطينية بدت مهتمة بضبط الإيقاع الفلسطيني في لبنان، وهي المدركة أن بنية المخيمات الفلسطينية، تمتلك قابلية نوعية للاختراقات الاستخباراتية والأمنية، وهي مشرعة أمام امتدادات تبدأ من حركة «طالبان» في أفغانستان وصولا إلى «انقاذيي» الجزائر مرورا بـ «زرقاويي» العراق فضلاً عن كل التوظيفات التقليدية المشرّعة لبنانياً وسورياً.
أمكن ضبط الإيقاع الفلسطيني في لبنان مرحلياً، إلا أن ثمة ما يستوجب ضبطه لاحقا. اقتضى الأمر أكثر من نوع من البحث في الساحة الفلسطينية. أولاً، ترتيب أمور البيت «الفتحاوي». البت بقضايا تنظيمية ومالية عالقة. تحديد الصلاحيات. توسيع القاعدة الفتحاوية ومركزة بنيتها التنظيمية.
استيعاب «المتمردين» خاصة بعض الضباط النافذين على غرار منير المقدح بناء على نصائح متعددة، ذلك أن بنية وبيئة المخيمات هي مجموعة تقاطعات عشائرية وعائلية قبل أن تكون سياسية وأمنية، وبعض العائلات لا يمكن استبعادها من المعادلات المحلية، ولذلك جاءت مهمة عباس زكي الاستيعابية للمقدح وآخرين وأفضت في المحصلة إلى إعادة لملمة أمور الحركة.
ثمة وقائع مالية صارخة فلسطينياً في ضوء تردي أوضاع اللاجئين من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. المتطلبات كبيرة والقدرات ضئيلة ولا بد من التوفيق بين هذا وذاك. جرت محاولة لإعادة رسم سلم الأولويات. يشمل ذلك إعادة النظر برواتب المتفرغين وأولوية دفع مستحقات اسر الشهداء في مواعيدها وتلبية متطلبات المساعدات المتصلة بحالات عسر حادة في المجالات التربوية والاستشفائية.
في هذا السياق، جرى عقد أكثر من جلسة بين زكي ومسؤولين في مؤسسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة، سعياً إلى زيادة خدماتها أو بالحد الأدنى عدم تقليصها ولعب دورها المنصوص عليه دولياً بمهمات ومسؤوليات محددة إزاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وباقي الدول العربية.
كما تم التطرق إلى الجانب التنظيمي الإداري في المخيمات، بحيث يصار إلى تفعيل عمل اللجان الشعبية في كل المخيمات وتتولى مسؤولية معالجة القضايا الاجتماعية والإنسانية بالتعاون مع فصائل منظمة التحرير و«الاونروا» والدولة اللبنانية، والتركيز في هذا السياق، على تأمين الموجبات الخدماتية الأساسية من مياه وكهرباء وطرقات..
في هذه اللقاءات، وخصوصاً في اللقاء الأخير الموسع مع جميع الفصائل من دون استثناء، برز أن هناك إجماعاً فلسطينياً على مسألة إيجاد مرجعية موحدة للفلسطينيين في لبنان، ولكن في الوقت نفسه، بدا أن هناك وجهتي نظر أساسيتين: الأولى تقول بإنشاء لجنة متابعة فلسطينية عليا من كل الفصائل، تنبثق عنها لجان في الاتجاهات التنسيقية الفلسطينية كافة وفي اتجاه السلطات الرسمية اللبنانية.
الثانية، وعبرت عنها «فتح» بالدرجة الأولى، واشترطت للقبول بالمرجعية المشتركة، عدم إعطاء أي انطباع بأنها صيغة خارجة عن إطار منظمة التحرير «لأن من شأن ذلك الإضرار بالمكسب التاريخي القائل بمشروعية المنظمة بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».
في الجانب اللبناني للزيارة، وربما هذا هو الجانب الأهم والذي أمكن تحقيق اختراق نوعي فيه، فقد استطاع زكي في محصلة لقاءاته، انتزاع تأكيد رسمي لبناني بان يكون رئيس الحكومة فؤاد السنيورة هو المسؤول رسمياً عن الملف الفلسطيني في لبنان، طالبا في المقابل، من قيادة المنظمة أن تسمي من يتولى من جانبها مسؤولية توفير قناة الاتصال الرسمية،
وكان رد زكي أن الفلسطينيين يرغبون جدياً بإعادة «فتح» مكتب منظمة التحرير وان يتحول إلى سفارة دولة فلسطين في بيروت، ولكن الجانب اللبناني طلب تأجيل البحث في هذه النقطة، حتى لا تثير تحسساً سورياً في ضوء التأزم القائم في العلاقات اللبنانية السورية برغم الانفراج الحدودي النسبي حاليا.
وقد رد زكي بتسمية كل من مسؤول العلاقات العامة في منظمة التحرير في لبنان محمود الأسدي وفتحي أبو العردات عضو المجلس الوطني الفلسطيني ومسؤول المنظمات الشعبية، مهمة الاتصال بالسلطات اللبنانية، وتحديدا بالرئيس السنيورة، على أن تكون صلة الأسدي وأبو العردات محصورة به في إطار السلطة الفلسطينية.
وجاءت تسمية هذين المسؤولين الفلسطينيين، وليس أمين سر حركة فتح في لبنان سلطان أبو العينين في ضوء الإشكالية القانونية المستمرة حول وضع أبو العينين المطلوب من السلطات اللبنانية في عدد من القضايا وبأكثر من مذكرة توقيف، وهو الأمر الذي استوجب من زكي إعادة تذكير اللبنانيين بملف العفو عن المحكومين والمطلوبين الفلسطينيين في قضايا متعددة،
فضلا عن قضايا أخرى تضمنتها المذكرة التي سلمها وزير شؤون اللاجئين إلى السنيورة ومنها الاعتراف بجواز السفر الفلسطيني الصادر عن السلطة الفلسطينية وإلغاء الاستثناء الذي يمنع اللاجئ الفلسطيني في لبنان من تسجيل حقوقه العقارية(شقة أو محل) وتسوية أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية وإعادة حقوق التسجيل للفلسطينيين الذين شطبوا من القيود في لبنان لأسباب متعددة.
كما تضمنت المذكرة المطالب التقليدية الفلسطينية حول الحقوق المدنية والإنسانية والسماح بإدخال مواد البناء إلى المخيمات من دون أي تعقيدات. تبقى ملاحظة أخيرة، هي أن عباس زكي أعطى تعليماته لقيادة المنظمة و«فتح» بالتجاوب مع المسعى الذي تقوم به النائب بهية الحريري وحليفها الصيداوي النائب أسامة سعد من اجل إنجاح اللقاء اللبناني الفلسطيني الموسع المنوي عقده قريباً.
بيروت ـ ريّان الأيوبي