سكت الكلام. كانت الدموع تتكلم. هكذا بدأ اللقاء مع الدكتورة سوسي مادايان الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي الذي اغتيل قبل نحو أربعين يوماً في تفجير سيارته قرب منزله صباح يوم كان يستعد فيه لزيارة ابنته نارا في مصر.
مع سوسي كان هذا اللقاء عن حاوي وعلاقته بالسياسة والحزب والأسرة، استفاضت في ذكرياتها عن رفيق عمرها، وقالت «عظيم في حبه وحنانه، كبير في تضحياته، الرجل الذي أعطاني، على الرغم من انشغالاته القيادية في الحزب الشيوعي والسياسية والاجتماعية في الحقل العام اللبناني، كل ما تطلبه الأنثى من رعاية وعطف واحترام..
. حتى كلامه الغزلي المباشر لم يكن يتوقف عنه حين نكون معاً. وأثناء سفره، كان يرسل الورود وقصائد الحب بالشعر اللبناني الشعبي، ما أكد لي الأمس واليوم وعلى الدوام أن جورج استمر حتى آخر لحظة من حياته هذا القروي الرائع البسيط الكلام والتعبير».
ـ وماذا عن اللقاء الأخير. سهرة الوداع إذا جاز التعبير؟
ـ لا أظن أن أيًا منا توقع أن نودع بعضنا البعض في المكان ذاته الذي شهد أول قبلاتنا. كنا مساء كل يوم نمارس رياضة المشي على كورنيش الروشة - المنارة. إنما شاء جورج ذلك المساء الخروج من بيروت إلى تلال حريصا. قال لي أشعر بألم في قدمي لكثرة ما مشينا أمس. ماذا لو انتقلنا إلى جبال لبنان.
من موقع تمثال السيدة العذراء، مددنا نظرنا إلى هذه الأماكن التي كنا نلتقي فيها من بداية غرامنا وفترة الخطوبة. تمتعناً كثيراً بالمناظر والذكريات انتقلنا بعدها إلى أحد المطاعم الشعبية يقدم المناقيش على الصاج. تناولنا القليل منها مع الشاي وعدنا إلى بيروت، أنا إلى البيت وهو إلى زملائه في الحزب حيث كانت اللقاءات شبه يومية للتداول في القضية اللبنانية.
ـ وما كان حديثكما في هذه السهرة؟
ـ على عادة جورج في كل لقاء، راح يسمعني الغزل، وهذا ما كان يردده على مسامعي حتى في السيارة. معا، كنا ننسى همومنا المهنية والسياسية. لم يكن يرضى أن تشاركنا الهموم حبنا الذي استمر شعلة لا تنطفئ، وهذا ما كان يؤكد لي أن جورج عاشق كبير وعدو الروتين. في كل مرة كان يحمل ضحكة جديدة تمدني بالتفاؤل وأن حياتنا العاشقة مستمرة.
ـ ألم يخبرك عن تهديدات ما؟
ـ لم يحصل في الأشهر الأخيرة... كان على إيمان كبير أن توسطه بين جميع الفرقاء وصداقاته للجميع من دون استثناء يجعله في منأى عن خطر الاغتيال المتنقل على الساحة اللبنانية. لقد سبق لجورج وفي مراحل كثيرة أن تلقى الكثير من التهديدات، لكنه في الفترة الأخيرة، كان.
وكنت مثله، آخر المشككين في استهداف جورج. يبدو أننا كنا على خطأ، وجورج تحديدا الذي اعتاد على استقراء الأحداث، وفشل في استقراء مصيره على هذا الشكل. لقد كانوا يطلبون رأسه بين كثيرين، واغتياله جاء ضمن مخطط يهدف إلى بلبلة الأوضاع السياسية اللبنانية وهذا ما يتأكد يوما بعد يوم.
ـ ماذا لو عدنا بالذاكرة إلى اللقاء الأول بينك وجورج؟
ـ حدث ذلك بعد أيام من مغادرتي موسكو حيث أنهيت اختصاصي في طب وجراحة العين. أذكر في هذه الأمسية ان أحدهم طرق بابي. نظرت من «العين السحرية» (منظار مثبت في الباب) لأفاجأ برجل ضخم الجثة جميل الشكل.
أصابني خوف شديد، خصوصا ان اجتماعات الحزب الشيوعي كانت تعقد في بيت والدي أرتين مادايان. لكن والدتي سرعان ما بادرت لاستقبال «ضيف المساء الدائم». فهو لا يفوت اجتماعاً حزبياً، لا بل إنه الدينامو كما أخبرتني والدتي في كل مرة كان يطرق بابنا.
ـ وهل جذبك منذ اللقاء الأول؟
ـ لا أقول جذبني، إنما لفت نظري شبابه وحيويته واندفاعه وكذلك ذكاؤه الحاد وحضوره الملفت والمحبب. أحسست أن شيئا ما يشدني إليه علماً أن الحب لم يكن يشغل بالي في هذه المرحلة، وكنت في بداية تأسيس حياتي الطبية.
ـ وكيف جرى التقارب؟
ـ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي المرحوم كمال جنبلاط كان على صلة ولو غير مباشرة بالموضوع. كان جنبلاط يعاني من آلام حادة في عينيه، لدرجة أن بعض الاختصاصيين، وكما أعلمني جورج لاحقا، كانوا قد حكموا عليه بفقدان النظر آجلاً أم عاجلاً. ولما كان جورج على تقارب مع الزعيم الدرزي، اقترح عليه «زيارة اختصاصية عيون حضرت حديثاً من موسكو فلربما...».
وكان أن حضر جنبلاط وجورج إلى العيادة حيث أخضعت الأول لفحوصات دقيقة ووصفت له العلاج، وبالفعل، شعر جنبلاط بعد فترة قصيرة بتحسن واضح، فكان أن تكررت زياراته، ودائماً مع جورج، واثناء ذلك مرر جنبلاط رسالة على مسمعي «شو رأيك يا جورج تتزوج الدكتورة سوسي»؟
ـ ونفذت الرسالة؟
ـ ليس بهذه السرعة. حصل تقارب بيننا وخرجنا في سهرات عدة، لكن كان لابد من معرفة المزيد عنه. فجورج لم يكن مقطوعا من شجرة. هناك والداه وأخوته الشباب والبنات. وعندما طلب يدي للزواج، سألته عن عائلته، ولابد من تعارف عائلتينا على بعضهما البعض. صحيح أنني لم أكن تقليدية، إنما كان لابد من حفظ الاحترام والقيم.
وتم لقائي مع والديه، بحضور جد جورج لوالدته، والمصادفة أن الأخير كان يتعالج عندي. لكن المفاجأة الأكبر أنه غالبا ما تحدث لوالد جورج عن «دكتورة جيدة جداً تصلح زوجة لجورج» وعندما شاهدني صرخ: هذه هي الدكتورة التي كنت أتحدث عنها.
ـ وتزوجتما؟
ـ في الكنيسة أيضا. فجورج كان ينحو إلى زواج مدني لكنني أصريت على أن يكون في الكنيسة احتراماً لعائلته وبيئته، خصوصاً أنني سمعت كلاماً رافضاً لزواج غير كنسي. لا ألوم أهل جورج على موقفهم، فهم أبناء الجبل وليس بالهين الخروج دفعة واحدة على التقاليد المتبعة.
ـ هل أخبرك قبل الزواج عن مغامراته العاطفية، عن طيشه مثلا في بلاد كثيرة استقبلته طالباً وثائراً؟
ـ لم أكن أتدخل في هذه الأمور، وأترك له حرية الكلام وكنت أحترم ماضيه. مثلا، تحدث عن علاقة حميمة ربطته براقصة باليه كوبية إنشد إليها كثيراً. ولما سألته عن اسمها قال «نارا»، وقد وعدته أن اسمي أولى بناتنا «نارا» وهكذا حصل. كنت ما أعد به أنفذه بالحرف. وهكذا كان حال جورج تماماً.
ـ المعروف عن المسؤولين السياسيين طبيعتهم الجامدة والقاسية وتبلد مشاعرهم... ألم تخفك هذه الصورة لدى جورج؟
جورج كان أبعد الناس عن هذه الصورة. العكس تماما. أكثر الضاحكين والمبتسمين. أكثر المتفائلين... لا أقول أنه عبثي بالمعنى الإيجابي للكلمة إنما احتضن حبا وعاطفة ووداعة تليق بكبار الثوار. لقد صارع طويلا ليقلب الصورة «الشيوعية» السوداء إلى صورة تتوهج بالإنسانية والحرية. ولطالما انتقد الحزب الأم في موسكو كما في العواصم الأخرى على الاستفراد بالحكم والرأي الواحد، مطالبا بالديمقراطية الحقيقية.
ـ بين اللقاء الأول في حريصا واللقاء الأخير في حريصا، ما القاسم المشترك؟
ـ قبلة لا تغيب عن بالي. في الأولى غرام واحترام وفي الثانية غرام واحترام كبيرين.
ـ من هي الشخصية التي نالت إعجاب جورج؟
ـ أظن فيديل كاسترو ومثله تشي غيفارا، وله معهما لقاءات وحوارات..
ـ الكلام عن جورج لا ينتهي... ولكن، كيف تلقيت النبأ الصدمة؟
ـ لا كلام. في القلب جرح بليغ لا يمكن لأي لسان مهما أعطي موهبة الكلام أن يعبر عنه. أنا الزوجة الحزينة والأم الحزينة والحبيبة الحزينة. يكفي هذا الحزن الثلاثي ليعبر عن الصدمة.
بيروت ـ فيوليت غبرو: