لا يقتصر البؤس الفلسطيني في لبنان على مآسٍ معيشية وحياتية فقط، بل يتعرض اللاجئون لـ «مجزرة تربوية» تبرز معالمها في تراجع نسبة المتعلمين التي وصلت إلى دون المتدني، بانخفاض نسبة الحاصلين على الشهادات الجامعية إلى 2,1 بالألف من بين 185الف فلسطيني يعيشون في 12 مخيماً، وفق دراسة أجراها معهد «الفافو» الايطالي.

أما الأمية، فقد أكدت إحصاءات المعهد ومكتب الإحصاء المركزي الفلسطيني أن نسبتها بلغت 2 في المئة قبل عام 1982، أما حالياًّ فقد وصلت إلى 20 في المئة خصوصاً بين الطلاب الفلسطينيين في التعليم الأساسي (الابتدائية والمتوسطة) في حين تبلغ نسبة التسرب من المدرسة نحو 5 في المئة. وتعود أسباب هذا الواقع المتردي إلى جملة معوقات لا يتحمل مسؤوليتها الجانب الفلسطيني وحده وإنما للدولة اللبنانية نصيبٌ فيها.

ومن أبرز تلك المعوقات:

ـ ارتفاع نسبة تسرب التلاميذ الفلسطينيين نتيجة للضائقة الاقتصادية التي يعاني منها اللاجئون في لبنان مما يؤدي إلى تشجيع الأهل لأولادهم على ترك المدرسة والتوجه إلى العمل من أجل مساعدتهم في المعيشة.

ـ أوجد تعقيد الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة قطاعاً جديداً من اللاجئين لا يملكون أوراقاً ثبوتية كاملة وقد أنجبوا أطفالاً لهم الحق بالحياة والتعليم وفق كل الشرائع، إلا أن ما يجري الآن هو معاقبة الأطفال على أمور لا علاقة لهم بها، إذ يُمنع عليهم حق التعلم.

ـ لعلّ أخطر أشكال الخلل تنجم عن التدخل السياسي والأمني في العملية التربوية، ما يجعل الجهاز المولج بتسيير العملية التعليمية وتطويرها جهازاً مشلولاً في بعض الأحيان.

ـ صعوبة المناهج المعتمدة وشموليتها وعدم قدرة كثير من الطلاب على استيعابها والتكيف معها.

ـ الاكتظاظ في عدد التلاميذ للصف الواحد، خاصة في الحلقة الأولى من التعليم الأساسي(من الصف الأول وحتى الثالث ابتدائي)، فالحصة عبارة عن 45 دقيقة ومعدل التلاميذ في الصف يصل إلى 42 تلميذاً، أي أن لكل تلميذ ما يقارب الدقيقة الواحدة من وقت الحصة.

«الأونروا»

ويبرز على هذا الصعيد دور «الأونروا» في العملية التربوية للفلسطينيين ومشاكلها وقد طرح هذه المسألة مؤتمر «إلى أن نعود.. من حقنا أن نتعلم» الذي عقده مكتب الخدمات الصحافية والإعلامية «ميزوف» في قصر الاونيسكو في بيروت حول الواقع التربوي والتعليمي للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وكشف نعيم عثمان، في كلمة ألقاها باسم روابط المعلمين الفلسطينيين، المعوقات الرئيسية التي تزيد بنسبة أكبر في مرحلة التعليم الأساسي (الابتدائية والمتوسطة)، وهي «اعتماد نظام دوام الفترتين الذي يقلّص عدد ساعات الدراسة، تبديل المديرين في السنة الواحدة أكثر من مرة، عدم وجود نظام تفتيش ملائم من مديري المدارس، الترفيع الآلي للتلاميذ الذي لا يأخذ في الحسبان عنصري الكفاءة والنجاح، تقاعس المسؤولين في ملء الشواغر والمماطلة في إرسال المدرسين بهدف التوفير المادي،

هدر حق التلميذ المعوق في التعلم (عدم جهوزية مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا»)، التضييق المقصود على المعلمين ماديا ومعنويا وعدم مساواتهم بمدرسي المدارس الرسمية، سياسة التجهيل المقصودة بحق اللاجئين، تزامن أعمال ترميم بعض المدارس مع بداية العام الدراسي، نقص المختبرات والمكتبات والتجهيزات والكتب،غياب حلقات تدريب المدرسين على المنهجية الجديدة، الأهداف المشبوهة لتمويل بعض الروضات أجنبيا وغياب تمويل عربي كافٍ، نفض الدولة اللبنانية يدها كليا من الواقع التعليمي الفلسطيني، فقدان الحقوق المدنية واثر ذلك على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي للتلميذ وأهله...».

وتطرق عثمان أيضاً إلى مشاكل الروضات في المخيمات إذ إن غالبيتها تعود إلى جمعيات تشكل امتداداً للقوى السياسية المتواجدة في هذه المخيمات، فتعتمد إما على منظمة التحرير أو بعض فصائلها وإما على مؤسسات دولية غير حكومية، أما وكالة «الاونروا» فهي غير مسؤولة عن هذه المرحلة. إن دور الروضة هو إعداد الأطفال للدخول إلى المرحلة الابتدائية التي تشرف عليها «الاونروا»، إلا أن هذا يتم في ظل غياب أي تنسيق جدي بينهما يحول دون أن تكون امتداداً طبيعياً لمرحلة الروضة.

على الرغم من قرار وزارة الداخلية اللبنانية الذي يحمل الرقم 349 والصادر في 2 أغسطس 1962 عن وزير الداخلية الراحل كمال جنبلاط باعتبار اللاجئين الفلسطينيين «أجانب مميزين»، إلا أنهم لا يزالون حتى الآن محرومين من أبسط الحقوق، وقد صدرت قرارات عديدة أسهمت في التأثير على المستويات الجامعية للطلبة الفلسطينيين لاسيما في الجامعة اللبنانية. ويرى أحد التربويين الفلسطينيين أن أسباب تدني أعداد خريجي الجامعات «تتراوح بين مادية ومعنوية مروراً بعراقيل الثبوتيات للطلبة غير المسجلين لدى الاونروا، وعدم وجود نظام منح متوازن من الجامعة اللبنانية للطلبة الفلسطينيين في لبنان، إذ ��ا تعطي الجامعة اللبنانية منحاً إلا بنظام المقايضة مع جامعة البلد الآخر الذي يريد منحاً لطلابه.

وقد تم الاتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الجامعات الخاصة في لبنان على حسم يتراوح ما بين 25 إلى 35 في المئة من القسط الجامعي، فيما لا يغطي صندوق الطالب الفلسطيني (الممول من أغنياء فلسطينيين) إلا فئة قليلة من الطلبة الذين يسجلون في السنة الأولى في بعض فروع الجامعة العربية وبعض فروع الجامعة الأميركية والجامعة اللبنانية- الأميركية بينما يحرم من ذلك أي طالب من السنة الثانية وما فوق إذا لم يحصل على معدل 70 في المئة، وهذا يحرم مئات الطلاب من الاستفادة من قرض الصندوق لإكمال دراستهم العادية، وهنا تلعب الوساطات دورها والأولوية لمن له وساطة اكبر وأقوى مع إدارة الصندوق».

واتهم هذا التربوي «الاونروا» بـ «التقصير الواضح والفاضح في كافة المجالات والخدمات. فعلى الصعيد التربوي تصدر ما يسمى بدائرة التربية والتعليم تعاميم كل عام عن منح جامعية مدعومة من دول مانحة بعد استيفاء شروط محددة أبرزها أن يكون الطالب قد أنهى الشهادة الحكومية بمعدل 60 في المئة وما فوق، بينما أصدرت تلك الدائرة تعميماً حرمت فيه طلاب من غير مدارس الاونروا من أن يستفيدوا من تلك المنح، إذ إن تدني مستويات التعليم في الاونروا يتسبب بمغادرة المجتهدين من الطلاب إلى مدارس خاصة أو حكومية، فتكتفي بطلاب الأخيرة ما يجعل دائرة التربية تلتف على تدني مستويات التعليم بقرارها المجحف».

من المسؤول؟

يجمع التربويون الفلسطينيون على أن عقبات جمة تعترض العملية التربوية في مخيمات اللاجئين في لبنان، أما عن المسؤولية فيقول أكرم يعقوب (تربوي فلسطيني): «كل طرف يحاول ان يلقي المسؤولية على الآخر في حين أن الكل مسؤول، وإذا لم نمتلك الجرأة على الاعتراف بذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الاتهامات المتبادلة»، لافتاً إلى أن لإدارة «الاونروا» دوراً بيّنا في التقصير في كل المراحل (الروضة، الابتدائية، المتوسطة، الثانوية والجامعية)».

ويشير يعقوب إلى «أن الدولة اللبنانية بإمكانها أن تساهم في معالجة بعض الثغرات، وذلك من خلال إفساح المجال أمام (الاونروا) لبناء مدارس خارج المخيمات لأن المساحة الجغرافية للمخيم أصبحت ضيقة جداً، والسماح (للاونروا) أيضا بإقامة مشاريع خارج نطاق المخيمات ليتمكن الأطفال الفلسطينيون من ممارسة هواياتهم، أما (الاونروا) فتتخذ بدورها من إغفال الدولة اللبنانية لهموم التعليم الفلسطيني حجة، ما يؤدي إلى التنصّل من المسؤوليات الملقاة على عاتقها».خرج المسؤولون والتربويون الفلسطينيون خلال المؤتمر التربوي في بيروت بمقترحات متنوعة قد تؤدي إلى حلولٍ مجدية، وكان أهم هذه الم��ترحات، على صعيد الإدارة والمعلم والجهاز التوظيفي:

ـ وقف الترفيع الآلي وتشديد الرقابة على عمل كل الموظفين بعملية التربية والتعليم وإيجاد خطط علاجية لبطيئي التعلم وللراسبين خلال عطلة فصل الصيف.

ـ إلغاء نظام الدفعتين نظراً لسلبياته الكثيرة، وذلك بتأمين مبان تستوعب الأعداد المتزايدة للشعب الفلسطيني، والأنسب أن تكون بعيدة عن ورش العمل واكتظاظ الحركة وقريبة لأطراف تجمعات أبناء الشعب الفلسطيني.

ـ وضع خطط علاجية من مركز التطوير التربوي بمشاركة الموجهين للمواد التعليمية.

ـ العمل على توظيف معلمين ذوي اختصاصات محددة ووقف سياسة أن يُعلّم الأستاذ جميع المواد.

ـ اعتماد سياسة توظيف معيارها الكفاءة ووقف المناقلات خلال العام الدراسي وإنجاز استكمال فريق الهيئة التدريسية خلال فترة العطلة الصيفية وتأمين حاجات المدارس مسبقاً.

ـ استحداث مناهج تعليمية تسهل على الأولاد قبول ما يتلقاه وضمن قدرتهم الاستيعابية. وخلال المؤتمر أعلن ممثل وزير الثقافة اللبناني، مدير التعليم الابتدائي ايلي سماحة أن الوزارة تؤكد فتح أبواب مدارسها أمام الفلسطينيين في المناطق المختلفة «لأن واقع الأمر يفرض علينا توجيه وتركيز عنايتنا والانكباب على دراسة ومعالجة هذه المسألة بكل واقعية ورصانة في سعي حثيث للخروج من تلك الأزمة».

بيروت ـ إيمان عجينة