استبعد خبير أمني مصري أن تكون تفجيرات شرم الشيخ من صنع مجموعة محلية صغيرة مرجحاً وقوف أصابع أجنبية وراء الهجوم لكن محللين متخصصين في شؤون الجماعات المتطرفة القيا باللوم على الشرطة المصرية التي لم تتوقع تلك التفجيرات بعد اعتداءات طابا في أكتوبر الماضي واعتبرتها وقتها مجرد حادث فردي من صنع مجموعة تربطها صلات عائلية وحصر دوافعها في الإحباط والبطالة .

ويلفت قائد قوات الحرس الجمهوري المصري الأسبق اللواء محمود خلف النظر إلى «الأسلوب القتالي المحترف» الذي نفذت به تفجيرات شرم الشيخ،مشيرا الى أنه لا يتوافر عادة «سوى لأجهزة مخابرات أو مجموعة مدربة بمعرفة تلك الأجهزة أو خبراء منها» على الأقل. مؤكدا أنه لا يمكن تصور أن تقوم مجموعات محلية صغيرة بمثل هذه العمليات الكبيرة والدقيقة، من حيث اختيار الأهداف واستطلاعها وتجهيز الأفراد والمتفجرات ومعدات التنفيذ.. ثم التوقيت.

وأشار إلى أنه «ليس من قبيل المصادفة تزامن تفجيرات طابا مع ذكرى حرب أكتوبر، ولا تزامن عملية شرم الشيخ مع ذكرى ثورة يوليو». وقال: مثل هذه العمليات تتم بصورة معقدة للغاية، حتى لا تلفت إليها أنظار أجهزة الأمن والاستخبارات، كما أنها ـ كأي عملية قتالية احترافية ـ تستغل نقاط الضعف وحالات الاسترخاء الأمنية. فالتخطيط يتم في بلد، والتمويل يأتي من بلد آخر، والمتفجرات ومعدات التنفيذ تجلب من دولة ثالثة أو أكثر، ثم يتم الإعداد والتجهيز في نفس الدولة التي ستنفذ فيها العملية.

بل ربما يكون ذلك في إحدى الدول المجاورة.. ثم تدخل مجموعة التنفيذ إلى مسرح العملية مباشرة، أو قبلها بأيام قليلة.وأضاف أنه حتى لو كانت المجموعة المنفذة لتفجيرات شرم الشيخ، وقبلها طابا، من المواطنين المصريين.. فإن هذا لا ينفي كون مثل هذه العمليات الكبيرة «ذات سمات وأبعاد دولية، وليست محلية على الإطلاق».من جانبه يركز الخبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام» والباحث في الحركات الإسلامية ضياء رشوان على نقطة خلاف جوهرية بين تفجيرات لندن يومي (7 و 21 يوليو)، وكل من تفجيرات «طابا» و«شرم الشيخ» في مصر.

من حيث أن منفذي تفجيرات لندن «استخدموا قوتهم الضاربة في الموجه الأولى (7 يوليو) فاختاروا لها العناصر الأكفأ والأقدر على التنفيذ، واستهلكوا فيها معظم ما تحت أيديهم من متفجرات.. ثم من استطاع منهم الهرب، أو لم يشارك في التنفيذ، قام بالتفجيرات الثانية التي هى أقرب إلى الاستعراضية.. ولم تحدث فيها سوى خسائر طفيفة»، أما في الحالة المصرية، فإن «حجم الخسائر البشرية والمادية، في تفجيرات شرم الشيخ يجاوز ثلاثة أضعاف مثيلتها في طابا، إضافة إلى أن كمية المتفجرات ودقة التنفيذ أكبر» في الحادث الثاني.

وهذا يعني في رأي رشوان «أن الأفراد المنفذين لتفجيرات طابا هربوا من مواقع الأحداث، أو لم يشاركوا فيها أصلا، بل أشرفوا عليها، ثم استطاعوا تنفيذ عملية أكثر ضخامة وأفدح ضررا».وألقى رشوان باللائمة على وزارة الداخلية المصرية، التي اعتبرت تفجيرات طابا ـ في حينها ـ مجرد «حادثة فردية قامت بها (مجموعة) مرتبطة بعلاقات صداقة وعائلية أو جيرة،، و نفت تماما أنها جزء من (جماعة) منظمة ذات أيدلوجيا وأفكار وأهداف محددة»، وبالتالي فإن أجهزة الأمن لم تتوقع ـ كما يقول ـ أن «تستأنف الجماعة أنشطتها، وتضرب مجدداً».

مشيرا إلى أن تفجيرات «خان الخليلي وميدان التحرير ـ وسط القاهرة ـ كانت «محدودة التأثير نسبيا»، بالمقارنة بطابا وشرم الشيخ، لكنها قد تكون مرتبطة بها أيضا».وطرح رشوان تساؤلات ذات مغزي، هو: لماذا تستهدف مثل هذه العمليات الكبيرة مدنا مثل طابا وشرم الشيخ بالتحديد؟ ، ولماذا لم تنجح في اختراق العاصمة القاهرة أو المدن الكبيرة.. هل ذلك لمجرد «ضرب السياحة» فقط في مدن سيناء، أم أن لذلك علاقة بتجاور تلك المدن مع إسرائيل؟!.

وأعرب الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عبدالرحيم علي عن اعتقاده بأن «تنظيم القاعدة» بدأ الدخول إلى مصر عبر المثلث الأردني الفلسطيني المصري واختار نقطة الالتقاء في سيناء باعتبارها نقطة ضعف أمني، وقال إن الأمن المصري أخطأ في التعامل مع هذا التنظيم عندما فسر دوافع حادث «طابا» بأنه حادث فردي سببه البطالة والإحباط.

ويشير إلى أن الأمن المصري كان لابد أن يتخذ الاحتياطات والتدابير لمواجهة أي هجمات محتملة، خاصة أن لديه خبرات طويلة في التعامل مع العمليات الإرهابية خلال فترة التسعينات من القرن الماضي وبالتحديد في مناطق الصعيد، وهذه الخبرات كان يتم الاستعانة بها في الخارج لكن ما حدث من وجهة نظر علي أن الأمن تهاون في الوصول إلى الدوافع الحقيقية لحادث طابا، وكانت النتيجة أن تفجيرات شرم الشيخ جاءت أعنف بكثير ووصفت بأنها الأضخم منذ «حادث الأقصر «الشهير».

ولفت إلى أن «تنظيم القاعدة» فقد أي فرصة للتواجد بعد مبادرة وقف العنف التي تقدمت بها الجماعات الإسلامية في يوليو عام 1997 ولكن ذلك لمن يمنع من محاولاته في الوصول إلى مصر عبر المثلث الذي تحدثنا عنه». وأوضح أن التخطيط والتدبير «يتم خارج مصر ولكن التنفيذ يتم بالاستعانة ببعض عملاء تلك التنظيمات»، في الداخل ويشير إلى أن هناك مجموعات داخلية ربما تكون من بدو سيناء ممن لهم علاقات ببعض الأصوليين من دول المثلث هي التي قامت بالتنفيذ، خاصة أن منطقة سيناء تعد موقعا مفتوحا لتهريب الذخائر والأسلحة وتجارة المخدرات.

كما أن طبيعته الجغرافية تتيح لهذه المجموعات تجهيز هذه السيارات المفخخة في المناطق الجبلية. وألقى علي بدوره باللوم على الأجهزة الأمنية مؤكدا أن مثل هذه العمليات تحتاج إلى تخطيط كبير وتقنية عالية، والمفروض أن يكون الأمن المصري قد سعى لمنع مثل هذه الجرائم قبل وقوعها، وقد قلنا عن حدوث «تفجيرات طابا» إن هذه العملية بداية لمخطط سيتبعه عمليات أخرى مشابهة لكن بيان الداخلية الذي صدر في أعقاب الحادث قطع الطريق على طرح هذه التحليلات.

القاهرة ـ مكتب «البيان»