السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 لهيب، احدى اشهر مرضى مستشفى راشد للطب النفسي في بغداد عادت الى منزلها لتروي قصة خروجها منه. فتقول مبتسمة ومتوسلة «لقد فتحوا الابواب، وعدت الى منزلي. ارجوكم لا أريد العودة الى مستشفى المجانين». وتاه مئات المرضى في الخارج حين اجتاح سارقون عراقيون مستشفى راشد عند سقوط بغداد في أيدي الاميركيين. وغالبيتهم عادوا الى المستشفى لكن ليس لهيب. وفي الحي الذي تعيش فيه والمستشفى الذي ارتادته عدة مرات منذ سبع سنوات، تعرف هذه المرأة الهزيلة بأنها «المحامية التي واجهت عدي» نجل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. وتبدو لهيب (48 عاما) في منزلها المهمل وماكياجها الازرق وكأنها ساحرة لكنها امرأة تتميز بالطيبة والعزة. وفيما تجلس وسط الغرفة محاطة بكلب لا يفارقها، تبدأ المحامية السابقة بسرد حكايتها بالانجليزية أو بالفرنسية، اللغتين اللتين تجيدهما. وتقول «لقد درست الحقوق، وكنت عضوا في حزب البعث وانتمي الى المجتمع الراقي، كان والدي مديرا لشركة. ولقد امضيت سنة في فرنسا في السوربون». وتضيف «بدأت همومي حين عدت الى العراق في نهاية الثمانينات حين قررت تولي الدفاع عن رجل تعرض للاضطهاد والتعذيب من قبل عدي صدام حسين». ومنذ ذلك الحين لم تعد حياتها سوى سلسلة عمليات اضطهاد وتعذيب، دخول وخروج بين سجون بغداد ومستشفى الطب النفسي. وتختلط التواريخ وتتصادم الكلمات لكن «القصة حقيقية» كما تقول لهيب وقد كتبتها على جدران منزلها. وتغطي الكتابات، وهي بالعربية، كل الجدران الى حدود المراحيض. ويقول الجيران الذين يقدمون لها الطعام والمال في بعض الاحيان «انها مجنونة، لكن قصتها حقيقية». وقال احدهم «لكن حين ترى رسم صدام حسين، ترمي الاوراق المالية في المراحيض». ومن جهته يقول محمد هادي من مستشفى راشد ان «لهيب مهذبة جدا ومثقفة. هي متخلفة عقليا لكن ذلك كان نتيجة كل ما تعرضت اليه، وليس السبب. انها ضحية النظام السابق». وقال مدير المستشفى امير ابو هايم «لا اعرف ما اذا كانت قصتها حقيقية. لكن اعرف انها ليست في وضع جيد، وانها ستعود عاجلا ام آجلا بملء ارادتها أو سيقتادها الجيران. انها بحاجة لأدوية ولا يمكن تركها بدون مراقبة». لكن لهيب تريد الان البقاء في منزلها، لم يعد لديها عائلة حيث لم يبق منها سوى شقيقتها وهي لا تريد رؤيتها. وتقول المرأة مبتسمة «مستشفى المجانين، لقد انتهى الامر، لم أعد أريد ذلك. لقد شفيت الآن. وانا بحاجة فقط الى الهواء النقي». وإلى جانب لهيب تمكن المرضى من الهرب اثر تعرض مستشفى الامراض النفسية في بغداد للتخريب في 8 و9 ابريل، تسكع المرضى تائهين في شوارع العاصمة العراقية خلال ايام عدة قبل ان يعودوا، طوعا أو اكراها، الى المؤسسة المدمرة. وفر ثلاثة أرباع مرضى مستشفى راشد، أحد أكبر مستشفيات الامراض النفسية في البلاد، والبالغ عددهم ألف و100 مريض، في خضم الفوضى وعنف السارقين العراقيين. ولا يعرف أحد ما حصل لهم خلال ايام الفوضى التي تلت سقوط العاصمة، وافاداتهم المضطربة تضاف الى افادات مرضى بقوا في المستشفى اما بسبب ضعفهم الشديد أو بسبب الخوف، وأصبحوا الآن في حماية جنود اميركيين. وقالت الممرضة سعاد عودة في باحة مقر النساء حيث تتصارع مريضات في لباس النوم مع الذباب الذي اجتاح المكان، ان «التوتر الرهيب الذي تعرضوا له أدى الى زيادة تفاقم حالاتهم». ولم يفلت شيء من السارقين، الاسرة والابواب والاسلاك الكهربائية والآلات التي تستخدم في العلاج بالصدمات الكهربائية، كلها كانت عرضة للسلب والنهب. واضافت الممرضة «اعتقد انه تم اغتصاب نساء»، فيما أكد أقوالها الطبيب محمد هادي ومندوب اللجنة الدولية للصليب الاحمر اولاف روسيه الذي يتابع وضع المستشفى منذ عامين. وتتحدث الممرضة الى الشابة عائشة لطيف التي تسرد لها روايتها. تقول عائشة «حين فتح السارقون الباب، رحلت وتهت في الشارع»، ثم التقت برجل «وعدها بالزواج ونامت معه على مدى ثلاثة أيام، ثم اختفى الرجل وعادت الى المستشفى». والى جانبها رباب جبر، شابة في العشرين من العمر، تبتسم وتقول في روايتها انها بقيت لمدة اسبوع في الخارج وان «اشخاصا عثروا عليها وأعادوها». ويقول مدير المستشفى امير ابو هايم ان حوالى 200 مريض لا يزالون مفقودين فيما عاد كل الآخرين الى المستشفى أو استقبلوا لفترة مؤقتة لدى عائلاتهم «الى ان تم ترميم المستشفى». وهو ايضا لا يعرف ما حصل لمرضاه خلال فترة اختفائهم. وقال ان «البعض تعرضوا للرفض من قبل عائلاتهم، ولم يكن لدى آخرين أي مكان ليذهبوا اليه حيث ان الكثيرين منهم لا يعرفون العاصمة لأنهم اتوا من كل المحافظات العراقية». واضاف ان «الغالبية تعاني من اضطرابات ذهنية أو انفصام في الشخصية أو الهذيان». وأعاد رجال الدين في حي مدينة صدر المجاور (مدينة صدام سابقا)، الحي الشيعي في شمال بغداد، العديد منهم الى المستشفى. وروى فريد كاظم في مسجد عباس قرب المستشفى «كانوا يتسكعون في الشوارع، وبدا من خلال تصرفاتهم انهم يعانون من امراض نفسية، وكان بعضهم نصف عراة». وأضاف «قمنا بجمعهم ومعالجتهم واعادتهم على دفعات»، مقدرا عدد المرضى الذين كانوا في المنطقة بحوالى مئة شخص. وتم ايضا رصد بعض معدات المستشفى، واشار كاظم الى آلة لتخطيط الدماغ وملفات ستعاد قريبا الى المستشفى على حد قوله. لكن بعض المرضى عادوا من تلقاء انفسهم. وروى عدي حاتم (45 عاما) بالانجليزية «حين فتح السارقون أبواب المستشفى، رحلت». وأوضح «لقد حاولت التوجه الى منزل عائلتي، لكنهم لم يريدونني بينهم، فعدت حينئذ الى هنا لأنني أعرف المكان جيدا» قائلا انه دخل مستشفى راشد منذ عشرين عاما. واضاف «لقد قتلت والدتي»، وأضاف «أريد البقاء هنا الى ان يستقر الوضع». أ.ف.ب