الخميس 29 صفر 1424 هـ الموافق 1 مايو 2003 قوبلت أول محاولة علنية من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لتضميد الجروح الدبلوماسية التي خلفتها الحرب على العراق بتهكم مهين، عندما رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع العقوبات الدولية المفروضة على العراق، وسخر من احتمال وجود أسلحة دمار شامل في العراق. وحدث تصادم بين الطرفين عندما طالب بوتين بالسماح بعودة مفتشي الأمم المتحدة إلى العراق، وتحدى مصداقية فكرة بلير الخاصة بتكوين شراكة استراتيجية عالمية جديدة، مؤكدا انه من غير المقبول ان تفرض الولايات المتحدة الأميركية سيطرتها على المجتمع الدولي. جاء هذا النقد العلني اللاذع في سياق مؤتمر صحفي استمر 63 دقيقة شارك فيه الزعيمان، وعقد في المقر الخاص ببوتين قرب العاصمة الروسية موسكو. ومن المعروف ان هناك علاقة خاصة جداً تجمع بين الزعيمين، وكانت لدى بلير آمال كبار تتعلق بامكانية ان ينجح في زحزحة بوتين بعيداً عن تحالفه الجديد ضد الحرب مع فرنسا وألمانيا. وبدأ بلير حديثه بعبارات دبلوماسية منمقة ولكن بنبرة جديدة أخذت تمتلئ بالحماسة تدريجياً حيث وصل إلى نقطة أطلق فيها تحذيرا شديد اللهجة من الوصول إلى نظام عالمي جديد يتحول فيه قطبا القوة في العالم إلى خصمين يستعدي كلاهما الآخر. فقد قال بلير ان العالم يواجه خيارين: إما الدخول في شراكة بين الولايات المتحدة والدول الكبرى في العالم أو تواصل «التأزم الدبلوماسي» على حد تعبيره. ولقد كان بلير يمني نفسه باستخدام نفوذه لاقناع روسيا بالموافقة على الطلب الانغلو أميركي لرفع العقوبات المفروضة على العراق مقابل ان تمنح الأمم المتحدة «دوراً حيوياً» لم يتم تحديده بعد في عملية اعادة اعمار العراق وانشاء حكومته الجديدة. ولكن بوتين قال ان روسيا وشركاءها يتمهلون حتى تتضح الأمور بشأن ما إذا كانت هناك أسلحة دمار شامل في العراق أم لا، ان العقوبات يجب ان تظل كما هي «على حد تعبيره، وواصل بوتين حديثه بشكل ظهر فيه نوع من التهكم والسخرية من بلير قائلاً: «أين صدام» أين تلك الترسانات من أسلحة الدمار الشامل، إذا كان هناك أصلاً وجود لها؟ ربما لا يزال صدام مختبئاً في مكان ما تحت الأرض جالساً على أسلحة دمار شامل ويستعد لتفجيرها وتدمر حياة ألوف من الشعب العراقي». وأضاف ان العقوبات لا يمكن ان ترفع لأنها وُجدت بسبب أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، «فمجلس الأمن هو الجهة الوحيدة التي تملك رفع تلك العقوبات. فعلى الرغم من كل شيء، فإن مجلس الأمن هو الذي فرض العقوبات وهو الذي يستطيع رفعها». كما سخر بوتين كذلك من حديث بلير بشأن نظام عالمي جديد، قائلاً: «إذا كانت عملية اتخاذ القرار في مثل هذا الاطار ستتم بشكل ديمقراطي، فإن الأمر في هذا الحال يمكن ان ينال موافقتنا، ولكن إذا كانت القرارات تتخذ من جانب عضو واحد من أعضاء المجتمع الدولي، وتطالب بقية الأعضاء بأن تؤيد هذه القرارات فإن هذا الأمر لا يمكن أن نجده مقبولاً». وأصر بوتين على أن مفتشي الأسلحة يمكنهم العودة الآن حيث يمكن استدعاؤهم إلى أي موقع بالعراق للتقدم بـ «رأي نهائي من وجهة نظر محترفة» عما إذا كانت هناك أسلحة دمار شامل أم لا. ويمكن على حسب قوله حماية هؤلاء المفتشين بواسطة الأمم المتحدة أو جنود يعتمرون خوذات زرقاء على غرار ما تم من تسوية في أفغانستان. وأضاف بوتين ان روسيا مستعدة لاتخاذ خطوات فورية في هذا الشأن. وتأتي النبرة التي تحدث بها بوتين ورفضه لمقترحات بلير ليمثلا قدراً كبيراً من القلق والانزعاج في دواننغ ستريت التي كان مسئولوها قلقين من أعقاب الحرب على العراق من قيام نظام عالمي جديد ثنائي القطبية يتكون من أميركا من جهة وفرنسا وألمانيا من الجهة الأخرى. وعلى الرغم من ان بلير قال ان رد الفعل الروسي لم يصبه بالاحباط فإن مسئولي دواننغ ستريت كانوا يأملون في موقف روسي أكثر مرونة لا سيما وأن ديون العراق المستحقة لروسيا والبالغ قيمتها 8 مليارات دولار سيجري النظر فيها من قبل نادي باريس للدول الدائنة. ولقد أزعج داوننغ ستريت الهدف من وراء عقد قمة الدفاع المصغرة للاتحاد الأوروبي في بروكسل مؤخراً، فلقد قال بلير انه لا يستطيع تأييد مؤسسة دفاع أوروبية جديدة إذا كانت تشكل تهديداً للناتو أو حاولت ان تكرر وظائفه. كما كشف بلير عن رفضه للاشتراك في جولة محادثات دبلوماسية جديدة مع فرنسا وألمانيا بالتحديد حول دور الأمم المتحدة في العراق. وقال في هذا الشأن: «الوصول إلى اتفاق مع الأمم المتحدة أمر مهم، ومن المهم ان يكون هناك دور حيوي للأمم المتحدة، ولكننا لن نخوض الهراء نفسه الذي خضناه آخر مرة حول الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن بشأن شن حرب على العراق». وقد أكد في مؤتمره الصحافي على نقطة ان دور الأمم المتحدة في عراق ما بعد الحرب سيكون بمثابة «أول اختبار» للشراكة الاستراتيجية الجديدة التي يقترحها. وتساءل بلير: «هل تقبل قوات التحالف دوراً حيوياً للأمم المتحدة، بل هل يقبل زملاؤنا من مجلس الأمن أن يقوم جنودنا بعدما حاربوا وقتلوا في الحرب ان يسلموا العراق إلى الأمم المتحدة لتكون هي الجهة المسئولة الوحيدة عن العراق في الوقت الذي تكون قوات التحالف هناك على الأرض تعمل على تحقيق الاستقرار». ترجمة: حاتم حسين