الاثنين 26 صفر 1424 هـ الموافق 28 ابريل 2003 قال تسفي برئيل مراسل صحيفة «هآرتس» العبرية للشئون العربية ان الأميركيين يتعاملون بهدوء مع المظاهرات العراقية المضادة لهم، وذلك لعدم استفزاز الشعب العراقي على أبواب بدء الاحتلال الأميركي المتدحرج للعراق، والذي سيكون في مرحلته الوشيكة «احتلالاً حضارياً» مع محاولات حازمة لابعاد الشيعة عن سدة الحكم حتى لو تطلب الأمر استبعاد الانتخابات. وقا برئيل عبر «هآرتس» أمس رجال الدين الشيعة الذين حرضوا علانية ضد الاميركيين لم يعتقلوا، ولم يتم تفريق المظاهرات التي تنادي ب«الموت لاميركا» بالغاز المسيل للدموع أو باطلاق الرصاص في الهواء وعلى الأرجل. سبب ذلك يعود الى ان الاميركيين يمرون في المرحلة المعروفة، وهي مرحلة «ما قبل الاحتلال». هذه الفترة الانتقالية لا يوجد فيها حكم محلي ذو صلاحيات يمكن تحميله المسئولية حيث تحاول القوات الاجنبية إبعاد نفسها عن الحكم المباشر وعن إثارة بؤر الاحتكاك قدر المستطاع. هذه هي المرحلة التي تحظى فيها كل مظاهرة بالاحتضان باسم حقوق الانسان. بعد ذلك تأتي مرحلة «الاحتلال الحضاري». بناء البنية التحتية وزيارة «الشخصيات المحلية المهمة والوجهاء» التي بدأ الحاكم المدني للعراق، غاي غارنر، بها. وبعد ذلك يبدأون في وضع خريطة القوة في اوساط السكان وبناء حكم محلي «ودي» وموالي لاميركا. القوات الاجنبية تواصل وجودها على الاراضي العراقية الى ان يبني هذا الحكم جيشه وقواته البوليسية. في العراق توجد ثلاثة سيناريوهات محتملة، أكثرها تفاؤلا يتحدث عن تعيين حكم عراقي مؤقت على يد الاميركيين من اجل الاعداد للانتخابات استعدادا لتشكيل حكومة تمثيلية واقامة جيش وقوات شرطة جديدة وتقليص عدد القوات الاميركية ونقل الصلاحيات الكاملة للقوات المحلية. أما السيناريو التشاؤمي فيرتبط ببداية حركة المقاومة المسلحة ضد الوجود الاميركي وانشاء «أذرع عسكرية» الى جانب المنظمات الدينية والوطنية وبدء أنشطة وعمليات ارهابية متشعبة حتى مرحلة يتوجب فيها على اميركا ان تحسم اذا كانت ستترك العراق ينهار بنفسه أم انها ستحوله الى قاعدة دائمة. السيناريو الثالث هو الجمع بين السيناريوهين المتشائم والمتفائل: نظام محلي يعمل وفق الاوامر والانظمة المخصصة لأوقات الطواريء في غياب اتفاق دستوري حول طابع الدولة، وإحجام عن اجراء الانتخابات من اجل تجنب إعطاء الشيعة قوة في الدولة، ومقاومة مسلحة للنظام والقوات الاميركية التي تواصل بقاءها من اجل الحفاظ على حقول النفط. ومن الممكن التقدير ان قائمة المطلوبين في هذه المرحلة ستتطلب كتبا بأكملها. هذه السيناريوهات ليست تمارين ومناورات خيالية في استراتيجية احتلال الدولة. لكل واحد منها تأثير هائل على الطريقة التي ستظهر فيها المنطقة لاحقا. السيطرة الاميركية المباشرة على دولة اخرى ليست مماثلة لاحتلال اسرائيل للمناطق. أو مثل السيطرة السورية في لبنان. ذلك لأن مكانة حليفات اميركا في المنطقة مثل تركيا واسرائيل ومصر والاردن والسعودية ودول اخرى تمر في مرحلة تغيير الاتجاه مثل سوريا وايران، ترتبط بمكانة الدولة الأعظم. التيارات الليبرالية القوية في الدول العربية لم ترفع صوتها بعد ولكنها تنتظر فرصة القفز على النموذج العراقي بضيق صدر وتخشى من امكانية تحوله الى نموذج على الطراز الأفغاني. واذا كان الاحتلال العسكري الاميركي السريع قد أدخل المنطقة في صدمة وذهول، فان تواصله، وطابعه بالأساس، سيحسم اذا كان التدخل الاميركي في المنطقة سيؤدي الى خلق واقع جديد أم انه سينتهي مثل نهاية غزو اسرائيل للبنان أو الغزو السوفييتي لافغانستان. القدس ـ «البيان»: