الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 يتهيأ الجنرال الاميركي المتقاعد غاي غارنر لحكم دولة «أم قصر» تلك المدينة الصغيرة العصية على الحدود الجنوبية للعراق. امضى غارنر وفريقه الذي يضم خبراء ومستشارين من البنتاغون والمخابرات المركزية ومعه عدد من المعارضين العراقيين اياما طويلة في احد فنادق الكويت، اما لدراسة الخطط الموضوعة سلفا، او انتظارا لتقدم الآلة العسكرية الاميركية التي واجهتها مقاومة غير متوقعة. وحينما تبخرت اوهام سقوط العاصمة العراقية خلال ساعات بدت الادارة الاميركية متعجلة غير مستعدة لانتظار العسكر حتى ينتهوا من فتوحاتهم، او انتظار المقاومة العراقية املا في ان تنكسر او تستسلم للاطروحات الاميركية. لهذا خرجت فكرة اعلان تشكيل هذه الحكومة انطلاقا من البصرة غير ان ثاني كبريات المدن العراقية استعصت حتى الان رغم دكها ليل نهار واختراق الدبابات البريطانية لدفاعاتها في عمليات خاطفة تتساوى في مشاهدها مع مشاهد المدن الفلسطينية التي ظلت تقاوم طويلا رغم حصارها ورغم ممارسات الاحتلال البشعة بحق اهلها. ويبدو ان النزق الاميركي لاعلان حكومة الجنرال غارنر بأسرع وقت ممكن سيجعلها تعلنها من مدينة ام قصر.. فهي المكان الوحيد حتى الان الذي تمكنت القوات الانجلو سكسونية من السيطرة عليه وتأمينه، وهناك توقع بأن يعقد الجنرال غارنر اليوم مؤتمرا صحفيا في الكويت قبل ان يغادرها غدا الى أم قصر حيث يبدأ مزاولة مهام منصبه في حكم العراق. التلهف الأميركي لإعلان حكومة غارنر في أسرع وقت له أسبابه فالادارة في واشنطن تحاول اغلاق الجدل الذي تصاعد داخل أميركا نفسها من جهة وفيما بين أميركا وحليفتها الرئيسية بريطانيا، وذلك حول من يدير العراق بعد انتهاء العمليات العسكرية، وهل هو البنتاغون أم الأمم المتحدة. كما ان واشنطن فوجئت برد فعل المواطنين العراقيين البسطاء تجاه أفراد قواتها، فلم يستقبل أحد القوات الغازية بالورود كما كان البعض يروج، ولم يحدث انقلاب ضد نظام الرئيس العراقي بمجرد سماع اصوات طائرات الأباتشي الأميركية، وإنما ظل غالبية المواطنين العراقيين يتعاملون مع الأميركيين والبريطانيين على أنهم قوة احتلال. ولكسر هذه الحالة التي تبدو مفاجئة في نظر المخططين الأميركيين هناك تضخيم في تصرفات فردية إيجابية على ندرتها، وهناك حالة افتعال هدفها في النهاية ممارسة الخداع بحق المواطن الأميركي الذي يؤيد هذه الحرب وبحق الرأي العام العالمي الذي يعارضها وتحاول واشنطن اسكاته مصورة بأن ما يجري هدفه تحرير الشعب العراقي وأنه عمل يلقى رضا العراقيين.ويعتقد الأميركيون ان الاسراع بإعلان هذه الحكومة سيؤدي إلى «تشجيع» العراقيين على إعلان عصيانهم للحكومة المركزية في بغداد وترحيبهم بقوات الغزو. الهدف الأميركي الأخطر من ذلك هو كسر الروح المعنوية للعراقيين الذين يشرعون أسلحتهم في وجوه القوات الأميركية والبريطانية والايحاء بأن ما تمثله الحكومة المركزية في بغداد ليس إلا أمراً ماضوياً وان العاقل هو من ينحاز إلى غده وليس إلى أمسه، وإعلان حكومة موازية يعني ان ما تبقى من هذه الحرب مجرد تحصيل حاصل وأن بغداد ستسقط تحت السنابك الأميركية ان لم يكن اليوم فغداً، وان لم يكن خلال هذا الشهر فخلال الشهر المقبل. وتحاول واشنطن بذلك الاسراع في وتيرة «تحول الولاءات» التي تتوقع حدوثها وكسب ود العشائر بالضغط العسكري واقتياد مدنيين كأسرى تحت ذرائع مختلفة حينا وبتوزيع الرشاوى «مادية كانت او وعودا بدور اكبر» كما فعلت المخابرات المركزية بالقبائل الافغانية في حرب لم تهدأ نيرانها بعد. حكومة «أم قصر» المتوقع اعلانها خلال ساعات ليست الحكومة الاولى التي يشكلها «محتل» لحكم بلد دهسته الآلة العسكرية الغازية... فصفحات التاريخ الحديث ملطخة بنماذج مختلفة من اول حكومة المارشال بيتان دو فيشى التي حكمت فرنسا عام 1940 وتعاملت مع الاحتلال النازي وانتهاء بتنصيب بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية بعد انتخابات اجريت تحت قصف الطائرات وقذائف الدبابات الاسرائيلية. غير انه لا بيتان نجح في مهمته بل تم اعدامه في النهاية، ولا بشير الجميل الذي تم اغتياله هو وكل الذين معه في انفجار بسيرة مفخخة.. حتى في النماذج السابقة كان الحاكم «عميلا» ويمثل واحدا من ابناء الوطن الذي يقع عليه الاحتلال، اما في حالة الجنرال غارنر فهو حكم مباشر بواسطة الدولة الغازية تناساه العالم منذ نحو مئة عام.. غير ان اميركا التي لا ماضي لها تحاول ان تذكر الانسانية بكل سوءات الماضي. مجدي شندي