الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 السلطة للسنة على حساب الشيعة، استخدام القوة لجعل الاراضي الكردية منطقة فاصلة مع تركيا، استفتاءات تعطي اكثر من تسعين بالمئة للحاكم... ان الذي خطط لهذا العراق ليس صدام حسين بل الموظفة البريطانية غيرترود بيل في العشرينيات من القرن الماضي. وغيرترود بيل هذه لم تكن سوى سكرتيرة للشئون الشرقية لدى الحاكم البريطاني في بغداد، وقامت غداة الحرب العالمية الاولى التي وضعت اوزارها عام 1918 بالتخطيط لاقامة دولة العراق الحديث التي تشكلت من ثلاث ولايات كانت تابعة للسلطنة العثمانية هي الموصل وبغداد والبصرة. وفي عام 1920 اعطت عصبة الامم بريطانيا حق الانتداب على هذه الدولة الحديثة في نشأتها والعريقة في تاريخها العظيم. وجاء هذا الانتداب بمثابة تسوية بين الحكام البريطانيين الذين كانوا من الهند (المستعمرة البريطانية) يعملون على توسيع الامبراطورية البريطانية وبين الذين كانوا في لندن يريدون صيغة جديدة غير الاستعمار المباشر لانهم وعدوا العرب بالاستقلال لاقناعهم بالتمرد على السلطنة العثمانية عدوة بريطانيا خلال الحرب العالمية الاولى. وكتبت غيرترود بيل رسالة الى والدها في الرابع من ديسمبر عام 1921 تقول فيها «امضيت قبل الظهر في مكتبي ارسم حدود الصحراء جنوب العراق» في اشارة الى رسم الحدود مع المملكة العربية السعودية بشكل خاص. وفي رسالة اخرى تقول بأنها «اقسمت على عدم التورط مجددا في اقامة مملكة لان الامر مثير فعلا للاعصاب»، في البنتاغون يقرأون ما كتبته بشغف، اما في العراق فان مجرد ذكر اسمها يعني الكلام عن مرحلة استعمارية بغيضة. اما لماذا عاد الكلام عنها اليوم فهو لسببين : اولا بسبب الحرب القائمة حاليا في العراق وثانيا بعد ان نشرت جامعة نيوكاسل في انجلترا رسائلها وصورها وكل ما يتعلق بها على موقع على الانترنت. في بغداد تحولت الانسة بيل الى السيدة خاتون الذائعة الصيت والمتنفذة القادرة في الوقت نفسه، على التعبير عن ازدراء كامل ببلاد ما بين النهرين «المتخلفة»، وعلى التباهي بأنها تعمل على اقامة دولة حديثة في العراق. والسيدة خاتون تخرجت من جامعة اوكسفورد وهي تعشق الاثار والحضارات الشرقية وكانت المرأة الوحيدة التي اختارها مكتب الاستخبارات البريطانية الخاص بالعالم العربي في القاهرة حيث عملت الى جانب تي. اي لورنس البريطاني الذي اصبح لاحقا لورانس العرب والذي شارك في الثورة العربية ضد العثمانيين. وهي كانت ايضا المرأة الوحيدة بين 39 رجلا اختارهم وزير المستعمرات ونستون تشرشل للمشاركة في مؤتمر في القاهرة عام 1921 حول مستقبل بلاد ما بين النهرين. وهي ايضا التي اصرت على تنصيب الامير فيصل ابن الشريف حسين ملكا على العراق بعد ان كان طرده الفرنسيون من سوريا. وفي الاستفتاء الذي نظمته الانسة بيل او السيدة خاتون حسب التسمية العراقية لها حصل الامير فيصل على تأييد 96 بالمئة من الشعب العراقي لتنصيبه ملكا وهي ارقام لم ينافسه فيها سوى صدام حسين بعد عشرات السنين. وكانت السيدة خاتون تجد لذة كبيرة في مرافقة القوات البريطانية والتفرج على المقاتلات البريطانية وهي تقصف مواقع الاكراد في شمال العراق لقمع تمردهم. وعندما قامت ثورة الشيعة في جنوب العراق التي اودت بحياة ثمانية الاف بريطاني اقتنعت السيدة خاتون بأن الادارة البريطانية المباشرة ستكون مكلفة ومن الافضل السعي الى اقامة سلطة عراقية تعتمد على عناصر من النخبة في البلاد. وهذا ما حصل. وتبين ان الشيعة الذين كانوا رأس حربة الثورة العراقية على الانتداب البريطاني لم يحصلوا على اي مكسب سياسي، فقد فضل البريطانيون الاعتماد على الموظفين الذين كانوا قائمين في العهد العثماني وهم بالطبع من السنة لاقامة الدولة الجديدة الناشئة. وتعتبر الانسة بيل ان «السلطة يجب ان تكون بأيدي السنة رغم قلة عددهم لان تسلم الشيعة يعني قيام سلطة دينية». وماتت السيدة خاتون في يوليو من عام 1926 اثر تناولها جرعة زائدة من الادوية المنومة وقد دفنت في بغداد. ـ ا ف ب