السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 قبل أن يحتفل بجائزته الكبرى المؤودة وبعد سبعة أيام فقط من حرب دق طبولها، ووعد الادارة الأميركية بكسبها والسيطرة، على العراق خلال ثلاثة أيام سقط ريتشارد بيرل رئيس المجلس الاستشاري لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). وقبلت استقالته، أو على الأصح أجبر على الاقالة حفاظاً على ماء وجه ربيبه دونالد رامسفيلد، بعد فضيحة إعلامية فجرتها مجلة «نيويوركر» وانتقلت إلى الكونغرس، ووجهت أصابع الاتهام لبيرل أبرز صقور البنتاغون الملقب بأمير الظلام، بأنه يعمل بالاضافة إلى منصبه الرسمي الحساس مستشاراً (من الباطن) لشركة «غلوبال كروسينغ» الأميركية العملاقة في مجال الاتصالات العسكرية والمدنية مقابل أجر سنوي يقدر بأكثر من 125 ألف دولار أميركي خلافاً لفضيحة أخرى مرتبطة بكبار تجار السلاح والصناعة من أمثال عدنان خاشقجي وصالح الزهير ووثقها «سيمون هيرشي» الصحفي في مجلة «نيويوركر»، حول تضارب وتداخل المصالح العامة للبنتاغون مع مصالح أمير الظلام. واستهزأ رئيس تحرير «نيويوركر» ديفيد ريمنيك بتهديدات بيرل بمقاضاة المجلة التي وثقت الفضيحة في عددها الأخير في 14 مارس الحالي، وانضم النائب الديمقراطي جون كونيرز للحملة مطالباً بفتح تحقيق حول صفقة بيرل مع «غلوبال كروسينغ» واتفاق على تمرير صفقة للشركة مع البنتاغون، لقاء 725 ألف دولار حصل مقدماً منها على 600 ألف دولار. ورغم فداحة وثقل الفضائح المالية لأمير الظلام والتي تفجرت قبل ثلاثة أيام من الحرب على العراق، وظلت مهمشة بانتظار النهاية الخاطفة لاحتلال العراق خلال ثلاثة أيام، كما وعد مهندس ليس الحرب على بغداد بل واضع كل خطط اجتياح الوطن العربي، إلا ان التعثر والتخبط الذي صاحب الحملة العسكرية الأميركية البريطانية في أسبوعها الأول عجل بسقوط الصقر الأول والأكثر تشدداً وتطرفاً وعنصرية ضد العرب. لذا، فإن سقوط بيرل هو أحد ثمار حرب هندسها ومرر خططها وروّج لنتائجها المبهرة، وجاءت عكس ما اشتهى، حيث تقرر ارسال 120 ألف جندي أميركي لتعزيز القوات في ساحة المعركة، فضلاً عن تخصيص ميزانية اضافية، ناهيك عن صور الأسرى والقتلى التي تعيد للأميركيين هاجس حرب فيتنام، مع تقارير للاعلام الأميركي «المحاصر» برقابة عن شراسة المقاومة العراقية مع تضارب التصريحات الصادرة عن مسئولين أميركيين حول مجريات الحرب حتى الآن، انتهت بتنصل كل أقطاب الادارة من عبارة «الحرب الخاطفة» وامتناع رامسفيلد عن تحديد سقف زمني للحرب، بما يعني في نظر كل جنرالات واشنطن المتقاعدين فشلاً ذريعاً لخطط البنتاغون التي صاغها وهندسها أمير الظلال الليكودي. بيرل استقال أو أقيل من رئاسة مجلس المستشارين للبنتاغون لكنه احتفظ بموقعه ضمن المجلس، لحين ما تخبئه الأيام لرامسفيلد فإما ان يلحق به أو يعيده للواجهة. بيرل لم يكن فقط قارعاً لطبول الحرب على العراق، بل صاحب أجندة دولية تشيد بالغزو الأميركي الجديد، وتنعي الأمم المتحدة والنظام الدولي الجديد، لدرجة انه نشر مقالاً منذ أسبوع يؤكد أن دفن الأمم المتحدة سيكون أول نتائج الحرب على العراق. بيرل الليكودي بل المتطرف الصهيوني اكثر من الليكوديين سواء بنيامين نتانياهو أو ارييل شارون، فلقد نصح الأول بإحراق اتفاق أوسلو (7/96) وروج للاستيلاء على كل الضفة وغزة، و«الترانسفير» بطرد كل الفلسطينيين إلى الأردن، ونقل المملكة الهاشمية إلى العراق واقامة دولة «مدجنة» للفلسطينيين في وادي الأردن. بيرل أمير الظلام صاحب نظرية صهيونية متكاملة للسيطرة على المنطقة العربية، ضمن حرب متصلة الحلقات متدرجة المراحل: العراق محطتها الأولى وهدفها التكتيكي، والسعودية محطتها الثانية، وهدفها الاستراتيجي، أما مصر فهي جائزتها الكبرى، صحيح رحل بيرل لكن باقي الصقور موجودون في عش الدبابير الصهيوني. سيد زهران